هل تستطيع الشركات العالمية إنقاذ أفريقيا؟

تم نشره في الأربعاء 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

 كانت الشركات متعددة الجنسيات بمثابة القوة الدافعة في أوروبا الشرقية خلال فترة التحول التي أعقبت الشيوعية، حيث جلبت معها المهارات الجديدة، والتكنولوجيا، والتدريب، والظروف الأفضل للعمل. كما عملت على إنقاذ الأنظمة المصرفية، وتحديث شبكات الاتصالات عن بعد، وأعادت بناء الصناعات المتعثرة، ورفعت من جودة السلع، وقضت على مسألة الفوائد الثابتة التي كانت بمثابة سرقة للمواطنين العاديين طيلة عقود من الزمان.

   ولكن هل تُـعَـد أوروبا الشرقية استثناءً؟ هل تستطيع الشركات متعددة الجنسيات أن تجلب نفس الفوائد إلى مناطق أخرى في أشد الحاجة إليها، مثل البلدان الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا، حيث أدى تراث الاستعمار وسياسة التمييز العنصري وسوء الإدارة الاقتصادية إلى خلق بيئة أعمال مختلفة على نحو جوهري؟

   وفقاً لإحدى وجهات النظر فإن أوروبا الشرقية كانت في وضع فريد سمح لها بالاستفادة من الشركات متعددة الجنسيات: حيث كانت القوى العاملة بها جيدة التعليم، وبصورة خاصة في ميادين الهندسة والعلوم، وهي بهذا كانت قادرة على تجنب فخ "مهارات متدنية وأجور متدنية". لكن العناصر التي فشلت الشيوعية في توفيرها ـ الإدارة الحديثة، والتكنولوجيا المعاصرة، والخبرات التسويقية ـ كانت هي بالتحديد ما استطاعت الشركات متعددة الجنسيات تقديمه لأوروبا الشرقية.

   ولكن في دول مثل جنوب أفريقيا، وناميبيا، وزيمبابوي، فإن الشركات متعددة الجنسيات قد تعمل على نحو مختلف تمام الاختلاف. ذلك أن الحكومات الغربية لم تكن مبالية، بل إنها كانت في بعض الأحيان معادية، لحركات التحرر الإفريقية. ولقد ساهمت شركاتها الكبرى في دعم وترسيخ جذور أنظمة حكم عنصرية من خلال تطبيق أنظمة مشينة للتعاقد على العمالة لم تكن أفضل كثيراً من أنظمة الاستعباد أو السُـخرة.

فضلاً عن ذلك فإن الشركات متعددة الجنسيات التي تستثمر أموالها في جمهورية التشيك وسلوفاكيا والمجر واستونيا، تنتج السيارات والمعدات الإلكترونية المتطورة والمعدات الصناعية الضخمة سواء للأسواق المحلية أو التصدير. والحقيقة أن ضمان ارتفاع جودة المنتج النهائي وولاء المستهلكين المحليين يتطلب حرص تلك الشركات على إرضاء القوى العاملة لديها والسعي إلى الحفاظ على صورة عامة إيجابية.

   وعلى طرف النقيض نجد أن الدول الإفريقية لا ترى في أغلب الأحوال إلا أسوأ الجوانب في الشركات متعددة الجنسيات: ذلك أن الشركات العاملة في مجالات الطاقة والتعدين والمعادن النفيسة تذهب إلى حيث توجد تلك الموارد وليس إلى حيث ينبغي أن تعمل. وكما أخبرني مدير سابق لأحد المناجم في المنطقة: "كان هدف الشركات الأجنبية في غاية البساطة دوماً: ألا وهو استخلاص الأصول من الأرض وإخراجها من البلاد بأبخس تكاليف ممكنة وبأقل قدر من الجلبة". ولأن العميل الذي يستهلك مثل هذه المواد موجود في الخارج، ولأن قدراً ضئيلاً من معالجتها يتم في الداخل، فما الذي يحمل الشركات على ترقية المهارات المحلية أو مساعدة اقتصاد الدول المضيفة؟

   ولكن لا ينبغي أن تكون العلاقات الممكنة بين الدول الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى الإفريقية وبين الشركات العالمية محدودة بهذه الصورة. ذلك أن تبني سياسات الاقتصاد الشامل الواعية، مقترناً بإيجاد حلول سلمية للنزاعات السياسية أو العرقية، كما في ناميبيا، أو بوتسوانا، أو جنوب أفريقيا على سبيل المثال، من شأنه أن يرسي القواعد اللازمة لشراكة بناءة إلى حد كبير.

   ولسوف نجد أن حكومة ناميبيا، على سبيل المثال، على الرغم من إدراكها بأن الدولة لن تتمكن أبداً من بناء قاعدة صناعية قوية، إلا أنها تتخذ توجهاً واضحاً متوازناً عازماً نحو جذب الشركات متعددة الجنسيات والاستفادة منها إلى أقصى قدر ممكن. فقد بادرت وزارة التجارة والصناعة هناك إلى وضع خطة واعية تشجيعية للتعامل مع الاستثمارات المعتمدة على التصدير، كما تبنت برنامجاً لتحسين أحوال العمال السود من خلال تشجيع المستثمرين على مساعدة قوة العمل التي كانت فريسة للإهمال فيما سبق. وتعتمد هذه البرامج على المنافسة وليس على التدخل البيروقراطي الثقيل، سعياً إلى تحقيق الأهداف المرجوة.

   ولنتناول صناعة استخراج الماس، وهي الصناعة الأكبر في ناميبيا وأهم صادراتها. تهيمن شركة "نامديب" للتعدين، وهي شركة مساهمة بين الحكومة وشركة "دي بيرس"، على تلك الصناعة بالكامل. ولكن بينما ترغب الحكومة في الانتقال من عمليات التعدين التي لا تتطلب سوى المهارات المتدنية إلى عمليات المعالجة الأعلى قيمة، فإن شركة "دي بيرس" تضع العقبات في طريق هذا المسعى لأنها تمتلك بالفعل مرافق عالية الجودة ومعتدلة التكاليف لمعالجة وتقطيع الماس في الخارج.

وهناك شركة "سيمكور" وهي شركة تابعة لمجموعة "ليفيف" الإسرائيلية التي تنتج حاليا حصة صغيرة من إجمالي إنتاج الدولة من الماس، لكنها ترغب في الحصول على المزيد من تراخيص الاستكشاف. ففي عام 2004 وعدت شركة "سيمكور" بإنشاء مرافق معالجة وتقطيع الماس، وهي الغاية التي تسعى الدولة إلى تحقيقها بكل حماس، ومنذ ذلك الوقت قامت الشركة بتعيين وتدريب 400 عامل في مصنع جديد في العاصمة ويندهوك.

   وعلى نحو مماثل، وبسبب الضغط المتواصل من الحكومة، قامت مجموعة شركات التعدين "أنجلو أميريكان" بإنشاء مرافق لمعالجة الزنك في منجمها الجديد الذي أطلقت عليه اسم "سكوربيون" في صحراء ناميبيا، الأمر الذي أدى إلى إيجاد المزيد من الوظائف التي تتطلب المهارة للمواطنين المحليين.

   إن انتزاع الفوائد من الشركات العالمية لا يتطلب مفاوضات حكومية عالية المستوى في كل الأحوال. ولنأخذ على سبيل المثال مدينة كاتاتورا، وهي مدينة أكواخ تقع على ضواحي العاصمة ويندهوك، والتي أجبر النظام العنصري السابق عشرات الآلاف من السود خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين على النـزوح إليها. إن تلك المنطقة فقيرة وفقاً لكل الحسابات والتقديرات، حيث يحتشد مائة ألف نسمة من السكان في أكواخ من الصفيح والخيش تقع على طول أميال من الطرق الترابية والمنحدرات الجبلية.

   على الرغم من ذلك ففي كل عام تنشأ بين الخيام والأكواخ مساكن جديدة مبنية بالقرميد والحجر، وبعضها جيد التصميم إلى حد كبير. وهناك التقيت بامرأة شابة تدعى روزاريا، تقيم في كوخ صغير مع سبعة أطفال من آباء مختلفين، وقد تبدو روزاريا فقيرة معدمة في أعين الغربيين، لكنها تدير تجارة صغيرة حيث تبيع اللحم القديد. وفي العام الماضي تمكنت من توصيل الطاقة الكهربية إلى كوخها، كما استثمرت مدخراتها في شراء ثلاجة لحفظ الأطعمة والمشروبات لبيعها. وهي تخطط لتوسيع كوخها في العام القادم، وفي نهاية المطاف ستتقدم بطلب للحصول على أرض وتبدأ في بناء مسكن من القرميد.

   قد يكون مقر تلك المرأة التجاري بعيداً عن الكمال: حيث تتعرض منتجاتها من اللحوم لكل هبة ريح أو رمال أو غبار. والحقيقة إن صغار المتاجرين من أمثال روزاريا يحتاجون إلى حوانيت حقيقية، والآن تبادر شركات مثل "ناميبيا للمشروبات" والتوكيلات المحلية لتعبئة زجاجات الكوكاكولا، إلى التجاوب مع احتياجات هؤلاء المتاجرين من خلال بناء كبائن حديدية قوية فسيحة ويسهل نقلها وتأمينها.

   وتقدم شركة كوكاكولا هذه الكبائن للمتاجرين الذين يبيعون منتجاتها، تماماً كما قد تزود مقاهي الأرصفة في باريس بالمظلات التي تروج لمنتجاتها. وحتى في القرى النائية على الحدود مع أنجولا، حيث تعيش قبائل أوفامبو في أكواخ من العصي، وحيث تفتقر التجمعات السكانية هناك إلى المدد الكافي من الطاقة الكهربية، وحيث يرتحل القرويون أميالاً في كل يوم من أجل الحصول على حطب الوقود والماء، فمن اليسير أن تجد هناك زجاجات الكوكاكولا والفانتا.

   تستطيع الشركات متعددة الجنسيات من خلال خبراتها الواسعة في التوزيع ومعرفتها التفصيلية للأسواق أن ترتقي بنفوذها إلى التعامل مع العديد من مشاكل التنمية، على الرغم من التراث السياسي أو الاقتصادي للدول التي تعمل بها. وليس على منظمات التنمية، والحكومات، والمستهلكين، وصغار التجار في تلك الدول إلا العمل على إيجاد المبادرات التي تجسد مصالحها المشتركة مع الشركات العالمية.

بول لويس مؤلف كتاب "كيف كُـسِـبَ الشرق: تأثير الشركات متعددة الجنسيات على أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق".

خاص بـ" الغد"، حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005

www.project-syndicate.org

التعليق