معاداة السامية

تم نشره في الخميس 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 02:00 صباحاً

احتجت إسرائيل على بث قناة تلفزيونية أردنية خاصة لمسلسل بعنوان "الشتات"، يتناول اليهود بصورة سلبية، إذ اعتبرت إسرائيل المسلسل نموذجا لمعاداة السامية. بدورها امتدحت صحيفة هآرتس منع الحكومة الأردنية بث المسلسل، والذي جاء بعد الاحتجاج الاسرائيلي. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة الى قدرة إسرائيل والمؤسسات التي تتعاطف معها على ضبط كل ما يمكن أن يوصف بمعاداة السامية؛ إذ لا تترك (إسرائيل وتلك المؤسسات) أية حادثة مهما صغر شأنها إلا وتثيرها من أجل تذكير العالم يوميا بما لحق باليهود من اضطهاد في أوروبا. ونذكر كيف أثار مسلسل مصري، عرض في رمضان قبل سنتين، غضب إسرائيل والولايات المتحدة، باعتباره معاديا للسامية بامتياز. كما ونذكر كيف أثار فيلم ميل غيبسون "آلام المسيح" غضب الاسرائيليين، واعتبر أيضا معاديا للسامية!

أول من استخدم مصطلح "معاداة السامية" هو الكاتب الألماني ويلهام مار العام 1873 في وصفه لسيطرة اليهود في المجتمع الألماني. وفي واقع الحال، فإن المصطلح يُقصر على المواقف المعادية لليهود دون غيرهم من الساميين. وهناك تعريفات مختلفة لمصطلح "معاداة السامية"، إلا أن التعريف الذي أورده قاموس ويبستر غريب وعجيب؛ إذ يخلط بين الموقف السياسي والشرعي من اسرائيل، وبين الموقف العنصري غير الاخلاقي من اليهود! فقد وضع القاموس ثلاثة تعاريف لمعاداة السامية في العام 1956: أولا، العداء لليهود كمجموعة إثنية ودينية، خصوصا إذا صاحب ذلك تمييز سياسي واقتصادي واجتماعي ضد اليهود. أما المعنى الثاني فهو معارضة الصهيونية. فيما يتضمن التعريف الثالث التعاطف مع خصوم إسرائيل! ولا يمكن الاتفاق مع المعنيين الثاني والثالث على الإطلاق، ذلك أنهما يزودان اسرائيل بالقدرة على استعمال مصطلح معاداة السامية من أجل إسكات وإخراس كل من يعترض على سياسة القمع والبطش والاحتلال للأراضي الفلسطينية.

وبالعودة الى مسلسل الشتات -الذي يصور شخصيات يهودية تتكلم عن حكومة يهودية عالمية- تظهر في أحد المشاهد إمرأة مومس في مكان في أوروبا يدار من قبل سيدة يهودية، تعبر عن رغبتها في نقل الفيروسات الى غير اليهود. وبصرف النظر عن المستوى الفني للعمل، إلا انه ينم عن موقف معاد لليهود. ونتفهم أن هناك عداءً بين العرب واسرائيل بسبب الاحتلال الاسرائيلي وتشريد الشعب الفلسطيني من أراضيه، لكن لماذا اللجوء الى أعمال فنية يتم تفسيرها بانها تنم عن كراهية لليهود؟ لا نعرف كيف تفيد كراهية اليهود لانهم فقط يهود؟! فالموقف أكثر تعقيدا مما تحاول ان تظهره بعض الاعمال الفنية، والصراع هو مع إسرائيل وليس مع اليهود أو اليهودية.

تعتمد هذه الاعمال الفنية التي تظهر بين الفينة والأخرى على محطات التلفزة العربية على ما يسمى "برتوكولات حكماء صهيون" التي تتحدث عن خطة سرية لليهود من أجل السيطرة على العالم. لكن من الثابت -وكما يعتقد حتى مختصون عرب من أمثال عبدالوهاب المسيري وعزمي بشارة- أن هذا الكتاب مزور، قامت بوضعه المخابرات الروسية إبان حكم القيصر نيكولاس الثاني من أجل إلقاء اللوم على اليهود بعد ان عمت المشاكل في روسيا. وقد قامت في واقع الأمر أول مذبحة ضد اليهود في روسيا العام 1881.

ثمة خلط واضح لدى كثير من العرب بشأن مصطلحات ومفاهيم أساسية، مثل اسرائيل، واليهودية، واليهود، والصهيونية. فالحركة الصهيونية هي التي قامت بتأسيس دولة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، وبالتالي لا يمكن النظر اليها الا كحركة سياسية جلبت المصائب للشعب الفلسطيني المشرد. وبعد تأسيسها، مارست اسرائيل كل ما في وسعها للتنكر لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، الأمر الذي يؤثر فعلا على موقفنا من اسرائيل وليس الدين أو العرق، إذ لا يمكن ان نكون عنصريين.

إلا ان أسوأ ما في الأمر هو الاعتقاد السائد لدى كثيرين بيننا بان ثمة مؤامرة عالمية ضد العرب والمسلمين. فالمتابع للبرامج الحوارية على بعض الفضائيات العربية يصعق من تركيز المثقفين الشديد على نظرية المؤامرة. وطبعا هذا التركيز ما هو الا تعبير عن عدم القدرة على فهم ديناميكية العالم، بحيث يتم اللجوء إلى التفسير السهل، وإعفاء النفس من مهمة الكد والفهم. ومن هنا، فإن مثل هذه الأعمال الفنية إنما هي تعبير عن نمط تفكير سائد في مجتمعاتنا العربية، مفاده أن العرب يتعرضون لمؤامرة كونية تحيكها اسرائيل، التي تبدو وكأنها ذات قدرة كونية "سوبرمانية!"، مع أنها دولة عادية تتقن لعب السياسة الدولية على عكس العرب.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد فقط؛ فللجانب الاسرائيلي أيضا مشاكله في صنع الكراهية، والاعتقاد بأن ثمة مؤامرة حيكت ضد اليهود. وهناك على الجانب الاسرائيلي مدارس دينية تعلم كراهية العرب، فقط لأنهم عرب! وتقوم هذه المدارس على تربية أجيال بشكل عنصري يقوم على كراهية غير اليهود، لا سيما العرب. وقد يكون من المناسب نبش المقررات المدرسية والمساقات التي تدرس في المدارس الإسرائيلية والمستندة إلى تفسيرات معينة للتوراة.

وباختصار، تظل القضية كامنة في وجود احتلال اسرائيلي للأراضي الفلسطينية، الذي بانتهائه ينتهي العداء العربي لإسرائيل بعيدا عن أي اختلاف عرقي أو ديني.

باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية-الجامعة الأردنية

[email protected]

التعليق