عزلة اليابان الانتحارية

تم نشره في الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

تكاد الأمور توحي بأن اليابان قد عقدت العزم على تعميق عزلتها الذاتية في قارة آسيا. فبعد بضعة أشهر سعى خلالها رئيس الوزراء جونيشيرو كويزومي ظاهرياً إلى تحسين العلاقات بين بلاده والصين، أدت زيارته الخامسة إلى ضريح ياسوكوني المثير للجدل إلى اشتعال مشاعر الغضب من جديد. فقد ألغت الصين وكوريا الجنوبية لقاءين كان من المفترض أن يجمعا بين وزيري خارجيتيهما ووزير خارجية اليابان. ومرة أخرى، أهدرت اليابان الفرصة لإعادة بناء الثقة في قسم من العالم حيث تشكل الثقة المتبادلة كل شيء في ظل غياب مؤسسات دولية متعاونة.

كيف لم تدرك اليابان حتى الآن أن الطريقة التي تتعامل بها مع تاريخها يتردد صداها في كل جزء من آسيا احتلته اليابان عسكرياً أثناء القسم الأول من القرن العشرين؟ إن ردود الفعل اليابانية تكشف عن درجة غير طبيعية من قناعتها بقوامتها الأخلاقية.

وكما لا تكف حكومة اليابان عن تذكيرنا دوماً، فقد بُـني ضريح ياسوكوني في العام 1969 لتكريم 2.5 مليون ياباني ماتوا في سبيل بلادهم، وليس فقط لتكريم اليابانيين الأربعة عشر الذين حكم عليهم بأنهم مجرمو حرب في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ولكن بينما يشعر العديد من أفراد الشعب الياباني (ولديهم بعض ما يبرر هذا الشعور) أن كوريا الجنوبية، والصين بصورة خاصة، يستغلان قضية ياسوكوني بهدف تقليص نفوذ اليابان في المنطقة ومداعبة المشاعر القومية العارمة لدي شعبيهما، إلا أن هؤلاء يغفلون عن جوهر القضية.

في الحقيقة، يبدو أن اهتمام قادة اليابان بتسييس الداخل لا يقل عن اهتمام قادة كوريا الجنوبية والصين بنفس الأمر؛ فقد كان المقصود من تقديم زيارة كويزومي للضريح على المستوى الرسمي باعتبارها زيارة شخصية، التأثير على عامة الناس في اليابان، بصرف النظر عن التأثيرات التي قد تترتب على ذلك خارج اليابان.

لكن اليابان الآن أصبحت معزولة، وهو الأمر الذي يؤثر على البنية الكلية للاستقرار في المنطقة. ذلك أن عزلة اليابان الديبلوماسية تعزز من موقف قادة الصين الذين كثيراً ما سعوا إلى تهميش دور الدولة التي لا تزال الأقوى في آسيا على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، وفي ذات الوقت محاولة طي المزيد من دول المنطقة تحت جناحها. كما أن عزلة اليابان يزيد من اعتمادها على حليفتها الوحيدة، وهي الولايات المتحدة، ويؤدي إلى تقويض الفرصة الهشة لإنشاء بنية آسيوية قادرة على التعامل مع أزمات المستقبل في المنطقة بروح يسودها التعاون بدلاً من المواجهة والمنافسة.

ولأن عزلة اليابان لا تشكل قضية خاصة باليابانيين فحسب، فلابد وأن تكون من الشؤون التي يتعين على السياسة الغربية أن تهتم بها. لكن سجل الغرب في هذا المجال ليس مؤثراً، وذلك لأن انزعاج الإدارة في الولايات المتحدة كالمعتاد من النفوذ الإقليمي المتنامي للصين يجعلها سعيدة بتزايد ارتباطها باليابان التي تستطيع أن تساعد في موازنة قوة الصين. ولكن هذا التوجه يتسم بقصر النظر على نحو واضح، والسبب أن ارتباط اليابان بالولايات المتحدة فحسب يشكل خسارة وليس مكسباً في مواجهة الصين في المنطقة، الأمر الذي يجعل مسألة إيجاد التوازن أكثر صعوبة.

أما أوروبا فهي لا تنتهج أية سياسة محددة في التعامل مع اليابان، ولا حتى سياسة قصيرة النظر. والحقيقة أنها بتركيز انتباهها بالكامل على السوق المتنامية الواعدة في الصين، تغفل عن الانتباه إلى أهمية الاستقرار في المنطقة. ويبدو أن أوروبا تنظر إلى القوى القائمة في المنطقة باعتبارها جزراً معزولة، وتتصور أن سلوكها في التعامل مع إحدى تلك القوى لا يؤدي إلى أية عواقب سياسية بالنسبة للقوى الأخرى.

فحين فكر الاتحاد الأوروبي في العام الماضي في رفع حظر السلاح المفروض على الصين، والذي كان قد أصبح رمزياً بالفعل آنذاك، لم تتنبه أي من الحكومات التي تقدمت بالاقتراح إلى أن رفع الحظر قد يكون في حد ذاته رمزياً هو الآخر، من حيث أنه يبث رسالة إلى أنحاء آسيا كافة مفادها أن أوروبا تضع ثقلها السياسي في خدمة السياسات الإقليمية للصين. ولم تلق مطالبات اليابان بإعادة النظر في القرار آذاناً صاغية، ولم تتجمد المبادرة إلا حين أعرب رجال الكونغرس في الولايات المتحدة عن مخاوفهم تجاه الآثار الاقتصادية غير المباشرة التي قد تترتب على هذه المبادرة، علاوة على تزايد ضغوط الصين على تايوان.

وبدلاً من استغلال اليابان وكأنها حاملة طائرات إقليمية كما تحاول الولايات المتحدة أن تفعل، أو إهمالها على الصعيد السياسي كما تفعل أوروبا، يتعين على الولايات المتحدة وأوروبا العمل على إيجاد توجه إستراتيجي جديد في التعامل مع المنطقة، ويا حبذا لو كان ذلك الجهد مشتركاً! ولابد وأن يكون الهدف من ذلك منع وقوع صدام بين القوميات، وتشجيع إنشاء بنية تعاونية تستطيع الدول الكبرى في المنطقة من خلالها العمل على إيجاد نوع من التفاعل وتنمية الاحترام المتبادل لمصالح كل الأطراف. ولن يتسنى لمثل هذه البنية التعاونية أن تنشأ في آسيا إلا من خلال المشاركة الفعّالة من قِـبَل اليابان، وليس على أساس من العزلة التي تفرضها على نفسها.

وبطبيعة الحال، لابد وأن تتقدم اليابان الطريق. ويتعين على قادة اليابان أن يدركوا أن الغفلة التي مازالت اليابان تواجه بها مشاعر حساسة لمجتمعات عانت كثيراً من الاستعمار الياباني أثناء القرن العشرين، تشكل صمماً أخلاقياً بقدر ما تحمل من تخريب على المستوى الإستراتيجي. ولكن ليس من المرجح أن تتنبه اليابان إلى هذه الحقيقة ما لم تدرك أن عزلتها ستجعلها تقف موقف من يضع ظهره إلى الحائط.

ومن هنا، يستطيع الأصدقاء من الخارج أن يساعدوا في التعجيل بهذه العملية، من خلال ضمان عدم شعور اليابان بأنها وحدها. وبدلاً من تعزيز افتقار اليابان إلى الحساسية، فإن المشاركة الغربية السياسية الفعالة -إنقاذاً لمصداقية الغرب في آسيا- لابد وأن تعمل على إشعار اليابان بأن مستقبلها يعتمد على اكتساب ثقة جيرانها في المنطقة.

والحقيقة أن هذا ليس بالمطلب العسير المنال؛ فقد كانت اليابان بمثابة الحليف السياسي للغرب طيلة نصف قرن من الحرب الباردة. وفي ذلك الجزء من العالم، حيث تتقدم الديمقراطية بالتدريج في كل يوم، تستطيع اليابان أن تضطلع بدورها في دعم التقاليد والمؤسسات الديمقراطية الراسخة؛ فمازال نفوذها الاقتصادي هائلاً، ومازالت صلاتها التجارية والثقافية بالغرب واسعة النطاق ومتنوعة. ربما أحجمت اليابان لعقود من الزمان عن المشاركة في مهمة صيانة النظام الدولي، لكن إدراكها الجديد لمسؤولياتها الدولية بدأ يبرز إلى الوجود في ثبات.

لابد وأن يكون واضحا لكل من يريد الاستقرار لآسيا مدى أهمية تأسيس روابط متينة مع اليابان، ولا ينبغي لهذا أن يتحقق على حساب الروابط المماثلة بدول أخرى في المنطقة، كالصين والهند، كما لا ينبغي أن يكون ثمن اكتساب هذه الروابط تعميق عزلة اليابان.

كريستوف برترام المدير السابق للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، وهو يشغل حالياً كرسي ستيفن مولر للدراسات الألمانية بمركز بولونيا التابع لجامعة جونز هوبكنز.

خاص بـ"الغد". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005

www.project-syndicate.org

التعليق