إبراهيم غرايبة

الانحسار الأميركي متى يبدأ

تم نشره في الثلاثاء 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 02:00 صباحاً

يبدأ تاريخ الولايات المتحدة منذ عام 1783 بعد حرب الاستقلال، وقد خرجت من هذه الثورة برقعة محدودة 13 ولاية وقوة بشرية لا تزيد على الأربعة ملايين، وكانت تلك النواة التي نمت بسرعة هائلة لتصبح أعظم قوة في العالم وأغناها في خلال 150 عاما، ومازالت تحتفظ بتفوقها وقوتها منذ أكثر من خمسين عاما.

انطلقت الولايات المتحدة من نواتها باتجاه المحيط الهادئ على حساب السكان الأصليين من الهنود الحمر، واشترت لويزيانا من فرنسا عام 1803 واستولت على فلوريدا من إسبانيا عام 1819 وضمت تكساس من المكسيك عام 1848 واستطاعت خلال فترة زمنية قصيرة أن تتحول من دولة صغيرة متشرنقة على سواحل المحيط الأطلسي إلى دولة قارة تسيطر على المحيطين الأطلسي والهادئ، وبدأت اتحادا كونفيدراليا قبل أن تتحول إلى فيدرالي، وربما يكون القطار إضافة إلى بساطة التركيب الجغرافي قد ساعد على قيام ونجاح هذه الدولة المتسعة، وهكذا فإن حدودها الحالية قد تشكلت واستقرت قبل أقل من 150 سنة.

وبعد انتهاء الحرب الأهلية اشترت الولايات المتحدة آلاسكا وجزر ألوشيان من روسيا ثم توسعت في الجزر الباسيفيكية على حساب إسبانيا، جزر هاولاند وبيكر عام 1857 وميدواني عام 1859 وهاواي وفينكس في نهاية القرن التاسع عشر وانتزعت الفلبين من إسبانيا واستعمرتها عام 1899 إلى أن منحتها الاستقلال عام 1946.

وفي بداية القرن العشرين بدأت تتوسع في منطقة الكاريبي فاحتلت بورتوريكو وبنما التي شقت فيها قناة بنما الواصلة بين المحيطين الأطلسي والهادي والتي تعد من أهم النقاط الإستراتيجية في تركيبتها كقوة عالمية.

بدأت الولايات المتحدة باقتصاد زراعي واسع وبمجتمع ريفي مخلخل، وظلت طوال القرن التاسع عشر دولة زراعية تصدر الخامات الزراعية وتستورد المصنوعات وتمثل حضارة ريفية غير مدنية (الكاوبوي) ولكنها تحولت بسرعة إلى أعظم وأغنى دولة صناعية وأضخم قوة حضارية حديثة تقود العالم في كل مجالات الإنتاج وتحتكر الأولوية والصدارة في أغلب (الكاوبوي) وتضاعف عدد سكانها خلال قرن ونصف أكثر من خمسين ضعفا.

لقد بدأت الولايات المتحدة من حيث انتهت أوروبا فأخذت عنها نقاط قوتها وتخلصت من نقاط ضعفها ونشأت مع الآلة البخارية والقطار متجاوزة مرحلة الإقطاع، ولم تعان من المنافسة والحروب في القارة الأميركية فجميع دول القارة تقريبا إما أنها امتداد جغرافي وبشري مثل كندا أو تابع مستكين يدور في فلكها تمثل مزرعة ومناجم وحدائق خلفية لها.

وتبدو الولايات المتحدة وقد دخلت القرن الحادي والعشرين وهي أكثر قوة وغنى، فقد تحسنت الحياة الاقتصادية والمعيشية فيها، وتضاعف مستوى الدخل، ويزيد النمو الاقتصادي فيها، وانتصرت على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، وعلى الشيوعية والاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة، فهي تمثل مرحلة ناجحة على نحو غير عادي في تاريخ البشرية.

وفي نهاية التسعينات كانت الولايات المتحدة تملك 25% من الناتج القومي في العالم، وتصدر إلى العالم منتوجات زراعية بقيمة 50 مليار دولار، ومن الآلات التكنولوجية العالية الدقة بقيمة 150 مليار دولار، وتتحكم بحوالي 73% من الصادرات المعلوماتية، وحوالي 75% من مبيعات الصناعات الفضائية والطيران المدني والعسكري، و80% من الصور المبثوثة في العالم -تمثل الأفلام الأميركية 75% مما يعرض في دور السينما- و90% من الإنترنت، و30% من الإنفاق العسكري العالمي.

وقد يتضح هذا الرقم أكثر إذا عرفنا أنه يزيد على الميزانية العسكرية الروسية -أقرب منافس عسكري إلى الولايات المتحدة- بعشرة أضعاف، وأنها تمتلك 15 ألف رأس نووي، و700 غواصة، وإمكانيات عسكرية وتقنية خيالية تفوق ما لدى أهم خمس عشرة دولة في العالم بعد الولايات المتحدة.

هل تكرر الولايات المتحدة الخطأ السوفياتي؟ فتوقع نفسها في عزلة ومواجهة مع الصين وروسيا والهند وإيران؟ وأخيرا أوروبا؟ أم أنها واثقة بأنه ليس ثمة قوة قادرة على معاقبتها كما فعلت هي بالاتحاد السوفياتي؟

إن القوة الأمريكية الهائلة لم تعد تعني شيئا ولا تفيد في الإستراتيجية الجديدة التي وضعت أميركا فيها نفسها، وهي القضاء على أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي، وهذا التفوق العسكري الهائل تصاحبه تحديات اقتصادية عظمى، فقد تحول الميزان التجاري من فائض بمئات المليارات عام 2000 عندما تسلم بوش السلطة إلى عجز هائل يقترب من الألف مليار دولار.

وعاد السؤال الاقتصادي والداخلي أكثر إلحاحا، عن جدوى الحرب ومبرراتها، وعن التحديات الاقتصادية والمعيشية الكبرى، والتنافس الاقتصادي والتقني مع الصين وأوروبا واليابان وشرق آسيا والذي يبدو أنه يسير في غير صالح الولايات المتحدة لكنه يتخذ طابعا سلميا وتبادليا يصعب التخلي عنه أو مواجهته لأنه ربما يضاعف خسائر الولايات المتحدة، كما أنه ينشئ حالة جديدة من الاستقرار والاعتماد المتبادل لم تعد الولايات المتحدة الرقم الأساسي فيها، بل تكاد تخرج منها وتخرج نفسها كما ظهر في الخلاف الكبير في منظمة التجارة العالمية وفي اتفاقية كيوتو البيئية، وفي محكمة جرائم الحرب والجرائم الجنائية.

ولكن الولايات المتحدة كما ظهرت في العراق، وفي الإعصار كاترينا تواجه مرحلة من الإعياء والعزلة، فكما كانت قادرة على تحدي العالم، والخوض في حرب غير مبررة، فإنها تبدو وحيدة تواجه قدرها ومستقبلها، لقد نجحت وحدها، واحتفلت وحدها، لتستيقظ بعد سنتين أو أقل على مرحلة من الإعياء والفشل والإحباط أيضا.

تكشف دراسات أن "الديون الخارجية" للولايات المتحدة الأميركية تبلغ حوالي 3.5 تريليونات دولار، ويعاني الاقتصاد الأميركي من تزايد مديونية الأفراد، وتباطؤ سرعة نمو دخل الفرد، وارتفاع البطالة، وانخفاض سرعة الإنتاجية عنها في اليابان في أوروبا، وتردي مستويات الخدمات الصحية والتعليمية، وتراجع ملحوظ أمام دول أخرى في مجال التعليم والبحث العلمي، حيث انحصرت نسبة العلميين والفنيين فيها في 55 لكل ألف من السكان الأميركيين مقابل 129 في السويد وهولندا و257 في كندا و317 في اليابان.

 كما تشير إلى تراجع الطلاب الأميركيين أمام الطلاب الأجانب وبخاصة في مجال الرياضيات والكيمياء وعلوم الحاسب الآلي، وتراجع ما قدمته الولايات المتحدة من معارف وتكنولوجيا جديدة في العالم من 75% عام 1945 إلى 36% عام 1996، وتزايد الإقصاء والتهميش في أوساط الفئات الفقيرة، والتي برزت في تزايد الأصوات المنددة بالعولمة.

 ومن نقاط الضعف التي تهدد الولايات المتحدة الفجوة الداخلية بين الأغنياء والفقراء، فيذكر الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون أن 60 مليون مواطن أميركي -20% من السكان- لا يتمتعون بالتأمين الصحي، وربما يكون الرقم قد زاد كثيرا بعد مجيء بوش.

ويهيمن 10% من السكان على 70% من الاقتصاد الأميركي، ومن بين هؤلاء الأغنياء توجد أقلية أخرى تساوي 1% تسيطر على 40% من الاقتصاد، ويهيمن الواسب الإنجلو-سكسون على القوة والنفوذ والمال، وتعاني فئات واسعة مثل السود والإسبان من التهميش والتمييز.

ولكن يجب أن ننظر إلى هذه الرؤى والتي تعتمد على مصادر ودراسات أميركية على أنها أيضا نقطة قوة، فالحضارة القادرة على نقد نفسها قادرة على المراجعة والتصحيح والاستدراك، وهذا ما حدث في مرات وأمثلة كثيرة في التاريخ الأميركي الحديث.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق