من يمحو من ومن المستفيد؟

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 02:00 صباحاً

وقف الرئيس الايراني، محمود انجاد، يوم الاربعاء الأخير، على احدى المنصات، حاملا "قلم رصاص ومحاية"، وقرر ان "يمحو اسرائيل" عن الخارطة، فلربما، أو من المؤكد، ان اسم اسرائيل ليس موجودا على خرائط العالم المتداولة في ايران، ولكننا لا نعرف كيف سيمحوها فعليا، أما ما نعرفه فهو ان فرحا كبيرا كان في اسرائيل، يوم ان خطب انجاد.

ليست هذه المرّة الأولى التي نسمع فيها مثل هذه الخطابات الملتهبة، التي قد تثلج صدر الكثير من سامعيها البسطاء وغيرهم، لحظة سماعها فقط، نظرا لما يتابعونه يوميا من اخبار الجرائم والمجازر والقهر والاستبداد الذي تمارسه اسرائيل، سعيا منها لمحو شعب بأكمله عن الخارطة، ولربما عن الوجود.

ولكن هذا انفراج خادع، بعيد عن الحقيقة ويشوهها، هذا انفراج يُسقط الكثير، أكثر فأكثر في بحور الاوهام، وانتظار "الفرج"، الذي انتظره شعبنا على الحدود قبل اكثر من 57 عاما، ولكن "الفرج" لم يتحقق، وما يتحقق هو الأمر العكسي.

لقد تلقت اسرائيل الرسمية، "ببالغ السرور والابتهاج"، تصريحات انجاد الساخنة، ولربما ان انجاد حظي بدقائق بث في وسائل الاعلام الاسرائيلية اكثر من أي دولة أخرى، فاسرائيل الرسمية بحاجة الى خطابات كهذه لتدعم ايديولوجية التخويف التي تُغرق شعبها فيها، "الخوف من الغير والالتصاق بما يقرره حكامها"، هذا أولا.

وثانيا، فهي تخرج الى العالم تلوّح بخطاب رنان كهذا، لتزعم "ان اسرائيل في خطر"، وكل ما تفعله هو دفاع عن نفسها، حتى عندما تحاصر شعبا بأكمله، فهي تدافع عن نفسها.

وحتى عندما تجوّع الناس وتقتلهم بالقتل البطيء وعندما تحرم المرضى من الوصول الى المشافي، وعندما تجبر الحوامل على الولادة في العراء عند الحواجز، فإنها بذلك تدافع عن نفسها.

وعندما تمارس اسرائيل التمييز العنصري ضدنا، نحن الفلسطينيين في اسرائيل، وتحرمنا من ممارسة الحياة الطبيعية والعمل والدراسة وتنفس الهواء النقي وتربية اجيالنا، فإنها "تدافع عن نفسها".

فلماذا "لا تدافع عن نفسها" حينما تجد خطاب انجاد هدية لها؟!.

احيانا تتفرج، وبالفعل فرجة، على بعض الندوات والخطابات في القنوات الفضائية، والزبد يخرج من افواه بعض الروؤس الحامية، فيدب فيك الحماس وتقفز الى النافذة بانتظار "جيوش الفرج"، التي جاءت لتحررنا من الميّة للميّة، فتنفرج اسرائيل مرّة أخرى، اما "جيوش الفرج" فتبقى في بيوتها، هذا إن وجدت أصلا.

الرسالة مما سبق واضحة، وأرجو عدم التأويل لأبعد من المقصود، فالمسألة ليست نقاشا حول "شرعية" وعدم "شرعية" اسرائيل، وانما نتائج خطابات كهذه.

يخطئ من لا يراهن على الرأي العالمي، فايران نفسها تسعى ايضا لتجنيد رأي عام عالمي يقف الى جانبها امام الهينمة الامرو- اسرائيلية، فمهما ارتفع مستوى الضغط الداخلي، فإن للرأي العام العالمي دورا في حل الأزمات.

لقد خاض الشعب الفيتنامي بطولة اسطورية امام جحافل الاجرام الاميركي، ولكن ما دعمه ايضا هو الرأي العام العالمي الذي أيده، وحتى الرأي العام الاميركي الذي مارس الضغط على حكومته، وساهم في اجبارها على الانصياع لارادة الشعب الفيتنامي.

انجاد وغيره من "النجدات" يدرك الحقيقة الواقعة، وما مثل هذه الخطابات سوى دفعة جديدة للخطاب السياسي الاسرائيلي المزيّف في العالم، في اطار معركتها على كسب الرأي العام العالمي بقوة حكوماته، الذي تزعم فيه ان كل معركتها هي امام ما يسمى بـ "الارهاب العالمي"، وتعتبر ان نضال الشعب الفلسطيني هو جزء منه، وتدعمها بذلك الادارة الحالية في البيت الابيض، وتحاول اسرائيل، دائما، تغييب عدالة القضية الفلسطينية وعدالة نضاله من اجل التحرر.

لقد قرر الشعب الفلسطيني بغالبيته الساحقة، والى جانبه الشعوب العربية، اسس الحل الدائم، آخذين بعين الاعتبار الظروف والمعادلات القائمة في هذا العصر، ولا يمكن لشعب بأكمله ان يخطئ.

صحافي فلسطيني وكاتب سياسي مقيم في الناصرة

[email protected]

التعليق