جميل النمري

ملاحظات على التقرير!

تم نشره في الاثنين 24 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 02:00 صباحاً

قرأت بتمهل أمس تقرير ميليس. ويجب ان أقول، انني لم أجده مريحا في عرضه لعمل اللجنة؛ فهو يتبدّل في اسلوبه ومستوى مهنيته من التفصيل المملّ لنواح شكلية وإجرائية او متابعات غير منتجة وغير مؤثرة، الى الاختزال الشديد وإغفال التوضيحات الضرورية عند عبارات أو في محطّات او شهادات حاسمة.

لنأخذ قضيّة ابو عدس؛ فهناك تفصيل ممل في متابعة هذه القضية، قبل وبعد وصول اللجنة، وكلها بالطبع تثير شكوكا. في النهاية، هناك الواقعة الحاسمة، وهي قول "شاهد" ان ابو عدس كان في سورية قبل اسبوعين من الاغتيال، حيث اجبر على تصوير الشريط الذي يدّعي فيه، باسم تنظيم النصرة والجهاد في بلاد الشام، نيّته تنفيذ العمليّة الانتحارية. وقول "شاهد" ان عراقيا قام بتنفيذ العملية بعد ايهامه ان المستهدف اياد علاّوي، الذي كان بصدد زيارة لبنان. وليس هناك ايّة توضيحات حول قيمة هذه الشهادة، ووضع الشاهد، ومن أي موقع امكنه الاطلال على هذه الواقعة!

وفي قضيّة الاتصالات الهاتفية والارقام الخلوية -وهي قرائن في غاية الاهمية اشتغلت عليها اللجنة باحتراف بالغ، وخصص لها جزء واسع من التقرير- نقرأ ان عشر بطاقات خلوية مدفوعة الثمن مسبقا تم شراؤها واستخدم جزء منها في محيط الجريمة في الساعات والدقائق السابقة واللاحقة، فيما بين مقتني تلك الأرقام، كما مع بعض المسؤولين، لا سيما مصطفى حمدان رئيس الحرس الجمهوري اللبناني. كذلك، فقد استخدم بعض هذه الأرقام في الاتصال مع الجزيرة ورويترز، وكلها قرائن دامغة للأرقام، فمن استخدمها؟

يقول التقرير: ان رائد فخرالدين، رجل الاعمال والمستشار المقرب من رئيس الوزراء السابق عمر كرامي، هو من اشتراها من مخزن تابع لمسؤول في الاحباش وثيق الصلة بالشيخ احمد عبد العال، المسؤول في جمعية المشاريع (الاحباش هيئة دينية مدعومة من الاجهزة السورية)، والذي كان رقمه على اتصال مع مسؤولين أمنيين، بما في ذلك اتصال مع هاتف رئاسة الجمهورية. وقد تم ايقاف فخرالدين مع آخرين ذوي صلة بنقل وبيع تلك الارقام، واعترف فخرالدين بشرائها، لكنه نفى أي معرفة باستخدامها في عملية اغتيال الحريري! يقطعنا التقرير عند هذا الحدّ بصورة غير منطقية، إذ لابدّ وقد تم الإمساك برأس الخيط، من متابعة حثيثة جرت لمعرفة بيد من انتهت البطاقات، مع ان التقرير يوصي بمتابعة هذا المحور المهم.

هناك شاهدان او ثلاثة يروون الوقائع الحاسمة دون ايضاحات حولهم وكيفية اطلالهم على الرواية! من ذلك مثلا، قول "الشاهد" ان سيارة فان ميتسوبيشي التي استخدمت في التفجير تم حشوها بالمتفجرات في معسكر بالزبداني، وعبرت الحدود السورية قبل الجريمة بأسبوعين، وقد جاءت الى بيروت صباح الجريمة من معسكر سوري.

والشاهد الرئيس الذي يروي وقائع التخطيط والتدبير للجريمة، بمشاركة القيادات الامنيّة السورية اللبنانية، وهو زهير الصدّيق يتم تقديمه دون ايضاحات وتقييم له ولشهادته، مع انه شخصيّة أثارت الاقاويل، ومازالت، حول مصداقيتها وحقيقة وضعها، وتحوّل من شاهد الى متهم  في الجريمة وفي تضليل التحقيق! وكان واجب التقرير ان يعرّج على ملابسات هذه الشخصيّة، التي قال السوريون انه محتال وصاحب سوابق، وأنه لم يكن يشغل في الماضي سوى وظيفة سائق!

التقرير يعطي تفصيلا واقتباسات من شهادات قادة وزعماء حول ما قاله الحريري عن لقائه مع الاسد، وتسجيلا لمحادثة رستم غزالي مع مسؤول لبناني؛ وهي محادثة غاضبة من الحريري، وتريد اقصاءه عن الرئاسة... ومجريات اخرى تعطي خلفية مقنعة لمسؤولية النظام الامني السوري-اللبناني عن الجريمة. هذه القناعة قائمة لدى الاغلبية من اللبنانيين منذ اليوم الاول للجريمة، لكنها لا تصلح لجرّ احد امام المحاكمة. كذلك، فان استنتاج اللجنة من مجمل الملابسات حول تورط سوري لبناني في الجريمة له قيمة سياسية كاملة، لكنه لا يصلح قضائيا!

النتيجة هي ان الشبهات القويّة جدا لا تترك لسورية مجالا سوى التعاون الكامل مع التحقيق، دون اعاقة من أي نوع. هذا يحميها من قرارات دولية وعقوبات الى حين انتهاء تحقيق قد يدوم لسنوات، ومحاكمات قد تدوم لسنوات.

[email protected]

التعليق