ياسر أبو هلالة

لكن "أبو عدس" لا بواكي له

تم نشره في الأحد 23 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 02:00 صباحاً

لو أن ميليس نفسه استدعاه الجهاز الأمني العامل في لبنان وطلب منه تسجيلا متلفزا يعلن فيه مسؤوليته عن اغتيال الحريري لفعل بلا تردد, وهو ما قام به أحمد أبو عدس, الذي كان أي مخلوق بمكانه سيعلن مسؤوليته عن اغتيال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب, وعثمان بن عفان رضي الله عنهم.

لا أحد يهتم بمصير أبو عدس الشاب الفلسطيني الذي ساقه حظه العاثر ليكون إحدى وسائل إخفاء جريمة اغتيال رفيق الحريري, ولا أحد يعوض أهله عما لحق بهم من أذى وضرر معنوي ومادي, إنه لعنة الفقر والعروبة والإسلام, لو كان أبو عدس عاملا آسيويا لرد له الاعتبار ولأقامت سفارة بلاده الدنيا وما أقعدتها.

لا تتوقف قضية أبو عدس هنا, بل هي أعمق من ذلك, فالاتهام شمل تيارا كاملا, فالسيناريو المختلق تحدث عن شاب تدين وغدا سلفيا, وقادته سلفيته إلى أحضان القاعدة لينفذ عملية الاغتيال انتقاما من السعودية التي تحارب إخوانه في العقيدة. وليتبين بعد تقرير ميليس أنه لا السلفيين ولا القاعدة على علاقة بكل ما جرى.

قد تكون القاعدة على علاقة من زاوية أن أحد أنصارها ضُلِّل بأن المقصود في الاغتيال رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي, وهو هدف ظلت القاعدة تطارده في العراق وخارجه, أما الحريري فدونه كثير من الأهداف في بيروت تشكل صلب اهتمام القاعدة.

المثير للاهتمام أكثر من القاعدة المطاردة منذ العام 96 هي جماعة "الأحباش" التي يتهمها التقرير صراحة وبأدلة واضحة في الضلوع بعملية الاغتيال, سواء من حيث شراء بطاقات الهاتف التي استخدمت في الرصد والمتابعة أم من حيث الاتصالات التي أجراها مسؤولها مع المراجع الأمنية والسياسية قبيل وأثناء وبعد الاغتيال.

جماعة الأحباش ظلت مدللة الأجهزة الأمنية العربية, وخصوصا السورية, وتخصصت كما يظهر التقرير, أقله في لبنان, بكتابة التقارير الأمنية للأجهزة الأمنية اللبنانية – السورية والتعاون معها, هذا دورها الباطن الذي كشفه ميليس. أما دورها الظاهر فكان التصدي بسلاح التكفير للتيارين الإخواني والسلفي, فالأحباش يكفرون سيد قطب وابن تيمية, ولا يتوقفون عند ذلك بل يكفرون من لا يكفرهما.

كان يعتقد أن المخابرات السورية هي من أسس الجماعة التي تلتف حول شيخ تقليدي قدم من الحبشة, وذلك للتصدي للتيار الإخواني الذي دخل في صدام مسلح مع النظام السوري, إضافة إلى اختراق الأوساط السنية اللبنانية. ومن يتعرف على أتباع الشيخ عبدالله الهرري وعلى كتاباته لا يفاجأ بفكر جديد, فهم مذهبيون يدرسون متون المذهب الشافعي في الفقه والمذهب الأشعري في العقيدة. وأكثر الإخوان السوريين وخصوصا في حلب وحماة على هذه الشاكلة باستثناء إخوان دمشق الذين يغلب عليهم السلفية. المفاجأة تكمن في تبني الآراء الشاذة والمتطرفة في الفقه والعقائد والجرأة غير العادية في التكفير.

الأجهزة الأمنية استفادت من استعدادات أتباع هذه الجماعة وتطرفهم في محاربة التيار الإسلامي العريض إخوانيا كان أم سلفيا, لكن عليها أن تراجع استفادتها عقب تقرير ميليس, فمن يشارك في اغتيال رئيس مثل الحريري عمالة لجهاز أمني من الممكن أن يشارك باغتيال أي كان لصالح أي جهاز.

عملية اغتيال الحريري كشفت عن قذارة لا يتداخل فيها الأمني بالسياسي فحسب بل تمتد للفكر والفقه. ولا يزال كثير من القذرات مدفوناعميقا لم يكشف بعد, لكن رأس جبل الجليد يكشف إلى أي درك انحطت المنطقة. اغتيال أبو عدس أكثر انحطاطا من اغتيال الحريري, فهو نكرة من عامة الناس لا ينافس أحدا على سلطة ولا ثروة قاده تدينه إلى شباك أجهزة لا ترحم, قتل بلا نعي ولا عزاء ولم يحصل على لقب شهيد. فعلاً أبو عدس لا بواكي له رحمه الله وألهم ذويه الصبر والسلوان.

[email protected]

التعليق