أيمن الصفدي

الخروج من المأزق

تم نشره في الأحد 23 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 02:00 صباحاً

لا تناقض بين من تلقفوا تقرير ديتليف ميليس خطوة تاريخية تجاه محاسبة المسؤولين عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وبين المتهجسين من استغلال الولايات المتحدة التقرير اداة ضغط لتحقيق اهدافها السياسية في سورية .

فكلا الموقفين يعبران عن حقيقة لا يجوز اغفالها وتداعياتها على لبنان وسورية والمنطقة برمتها .

تقرير ميليس فتح الطريق امام مسيرة لا شك ستكون طويلة لمحاكمة الذين اغتالوا الحريري وسمير قصير وجورج حاوي واستباحوا لبنان وسيادته. لكنه ايضا مكّن واشنطن ذخيرة جديدة، وفاعلة، في مواجهتها المرشحة للازدياد حدة وابعادا مع سورية على جبهات مختلفة، خصوصاً على مسرح مجلس الامن الدولي.

والسؤال المطروح بقوة الان هو كيف ستتصرف سورية وقد اتهم التقرير اجهزتها الامنية وبعض اركان نظامها بالتورط في اغتيال الحريري؟

فدمشق الان دخلت ازمة لن تجدي الاساليب التقليدية في اخراجها منها. لن ينفع الدفاع اللفظي الذي اعتاده البعث في رد كل نقد يوجه اليها الى نظرية مؤامرة تستهدف سورية وهويتها وعروبتها وصمودها .

وستخطئ دمشق ايضا إن استهانت بالتقرير وما سيتبعه من خطوات اعتمادا على قراءة تقول إن الولايات المتحدة اضعف من ان تسعى الى مواجهة عسكرية مع سورية او ان تحاول تغيير نظام الحكم فيها. صحيح ان واشنطن لن تتهور باتجاه غزو سورية ولا تبدو مستعدة لمواجهة فراغ امني وسياسي لا بد سينتج عن تغيير النظام السوري. غير ان في ترسانة الولايات المتحدة ما يكفي من ذخائر سياسية واقتصادية كفيلة بتحقيق هدفها المنشود في سورية: تغيير تصرفات النظام وليس تغييره، على الاقل مرحليا .

بإمكان سورية تخفيف الخسائر التي سيعاني تبعاتها شعبها حصارا اقتصاديا وسياسيا. وذلك طريقه، على الاقل منهجيا، ما تدعو له واشنطن، وهو تغيير سياسة النظام وتصرفاته. لكن التغيير الذي سينفع سورية يجب ان يكون باتجاه شعبها، وليس فقط تجاه واشنطن.

البداية يجب ان تكون بالتعاون مع التحقيق المستمر في اغتيال الحريري. على سورية ان تعاقب كل من يثبت تورطه في الاغتيال وفي انتهاك حرمة لبنان وحقوقه وفي قتل الابرياء، بغض النظر عن المكانة والموقع. ان فعلت دمشق ذلك، تنجح في تخفيف الضغوط عليها. ولا شك انها ستجد من يقف معها، دوليا وعربيا، في ضوء القلق الدولي من الهيمنة الاميركية وعدم الثقة بسياسات واشنطن التي اثبتت التجربة اتسامها بالسطحية والتهور اكثر من العقلانية والحكمة .

بيد ان المطلوب اكثر من ذلك ايضا. التغيير الذي يجب ان تنفذه سورية يجب ان يعيد صياغة علاقة النظام بالشعب. ذلك يستدعي التوقف عن الممارسات التي تبقي سورية مرتعا من مراتع الحكم الشمولي في العالم . وبين هذه الممارسات هيمنة الاجهزة الامنية على المقدرات, وتجاوز القانون, وسجن المعارضين، وحصر الحقيقة في البعث وفكره وممارساته. ويجب أن يكون مؤدى التغيير حكما رشيدا ودمقرطة تعطي النظام شرعية، وتعيد للشعب حقه في المشاركة في تقرير مصيره .

إذ ذاك ستجد سورية نفسها محصنة ضد حملات الضغط الاميركي المعنية بتحقيق اهداف واشنطن في المنطقة اكثر مما هي معنية بكشف حقيقة من اغتال الحريري.

بالطبع، ستجد سورية حتى اللبنانيين الى جانبها إن هي واجهت مسؤولياتها، وتحركت نحو تحقيق مصالحة تاريخية مع اللبنانيين على اساس الكف عن التدخل في شؤونهم، واحترام خياراتهم، وفوق كل ذلك، معاقبة كل من يدان ليس في اغتيال الحريري فقط، بل في اغتيال سمير قصير وجورج حاوي والمئات من الاسماء المجهولة التي قضت في عنجر وغيره .

الزمن تغير. وعلى سورية ان تدرك ذلك، فتغير هي من نفسها وممارستها قبل ان ُتجبر على ذلك، فتخسر سورية ويخسر لبنان وتخسر المنطقة برمتها,، باستثناء، بالطبع، اسرائيل، التي لا بد تضحك وهي ترى دولة عربية تلو الاخرى تلقي بنفسها الى التهلكة.

التعليق