أيمن الصفدي

ما بعد الدستور العراقي

تم نشره في الأحد 16 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

مر العراق امس بمحطة فارقة جديدة في العملية السياسية التي انطلقت بتردد بعد سقوط النظام السابق قبل اكثر من عامين. فقد صوت العراقيون على مسودة دستور يرسم ملامح العراق الجديد وسط بيئة سياسية يمثل غياب الثقة والانقسام والخوف من القادم سماتها الرئيسية.

وكما الانتخابات الانتقالية التي سبقته بعشرة اشهر, سيكرس الاستفتاء على الدستور حقائق ما بعد سقوط نظام صدام حسين اكثر مما سيسهم في فتح آفاق غد عراقي افضل.

سيصوت العرب الشيعة والأكراد لمصلحة الدستور. وسيرفضه العرب السنّة الذين يرى الكثير منهم في العملية السياسية سبيلا لتهميشهم لا خريطة طريق لبناء عراق ديمقراطي يتمتع فيه كل العراقيين بالمساواة.

لكن موقف السنة لن ينتهي الى عدم تبني العراق الدستور الجديد. فذلك يتطلب ان يصوت ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات ضد الدستور. وكل المؤشرات تؤكد عدم امكانية تحقيق ذلك .

وهنا تكمن المعضلة. فسيدخل العراق بعد اعلان نتائج التصويت على الدستور مرحلة جديدة من محطات اعادة البناء دون الحد المطلوب من التوافق لتجاوز حال الفوضى التي عمته منذ فشلت اميركا في مساعدة العراقيين ملءَ الفراغ الناتج عن سقوط دكتاتورية صدام حسين, ما سمح بانتشار الفوضى واستباحة عبثية ابو مصعب الزرقاوي المشهد العراقي.

فالدستور سيمأسس الواقع الجديد . وستزداد في ضوء ذلك درجة الحدة في التعبير عن مواقف القوى المختلفة اما في الدفاع عن مكتسباتها او في العمل على الحد من خسائرها. سيعمل العرب الشيعة والأكراد على تثبيت ركائز الواقع الجديد. وستبذل اكثرية العرب السنة ما وسعها من جهد لتغييره او لتحسين شروطه.

وسيكون الثمن غاليا على العراقيين كافة اذا لم تنجح القوى العراقية في ادارة هذا الاختلاف بما يحول دون تفاقمه الى درجة يستحيل معها العيش المشترك.

خطر توسع رقعة العنف والارهاب حقيقي. فالزرقاوي ومن تبعه لا يريدون عراقا مستقرا آمنا لأن ذلك يعني نهايتهم. وسيستغلون حالة الفرز العرقي والطائفي المتنامية لحشد المزيد من التأييد. اضافة الى ذلك, فاحتمال تطور العنف الحالي الى صراع طائفي معلن وارد اذا لم تطور القيادات العراقية وسائل حوار فاعلة تنتهي توافقا على عيش مشترك يضمن حقوق الجميع.

مصلحة العراق تقتضي الإقرار بصعوبة راهنه. والواقعية تفرض الاعتراف بأن اقرار الدستور سيزيد من وتيرة التوتر اذا مثل ذلك اغلاقا للباب امام خطوات فاعلة وصادقة لإشراك العراقيين كافة في العملية السياسية.

لا شك ان اقرار الدستور يشكل لحظة حسم تاريخية في مسيرة العراق. ولا شك ايضا ان ثمة حاجة ماسة لاتخاذ خطوات تصالحية في مرحلة ما بعد اقرار الدستور للحؤول دون تحول الانقسام حوله الى حرب اهلية. لكن إنجاح هذه الخطوات يتطلب التزام جميع العراقيين الوسائل السلمية سبيلا للخلاف والاختلاف.

التعليق