جميل النمري

الاستقلال الثاني

تم نشره في الأحد 16 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

اذا كانت الانظمة العربية تخضع بصورة مزرية للتدخلات الخارجية والملاحقة والزجر والمحاسبة، ويصبح مصير بعضها معلقا على تقارير او قرارات من جهات دولية، فالذنب يقع عليها وحدها.

تجد المعارضة نفسها في الموقف الصعب؛ بين التواجد في معسكر واحد مع التدخل الخارجي، او الانكفاء الى جوقة "الهتيفة" خلف القمع الداخلي. والمعارضة العربية لم تكن في أي يوم غربية التبعية، فهي تنتمي عادة الى اصول قومية واسلامية ويسارية. وليس سيئا ان تظهر معارضة ليبرالية جديدة، لكن الغريب ان الانظمة تواصل، حتى آخر دقيقة من عمرها، رفض الخيار الثالث، أي التفاهم مع المعارضة على مصالحة وطنية وتحول ديمقراطي؛ تفاهم على انهاء التفرد والتسلط والقمع والفساد.

منذ اول تدخل عسكري أجنبي بعد عقود من الاستقلال، ونعني عودة الجيوش الاجنبية مع احتلال صدّام للكويت، ونحن ندعو الى هذه الطريق البديلة التي تقطع الطريق على التدخل الاجنبي، وتعزز الجبهة الداخلية، وتعيد الكرامة للشعوب.

المشكلة ان الحكّام لا يتعلّمون من تجربتهم، ولا يتّعظون من تجارب الاخرين! لم يتعلم صدّام شيئا من هزيمته الكارثيّة العام 1991، بل استخدمها فقط لتجييش العواطف الشعبية العربية والاسلاميّة خلفه، واستخدم الحصار لإضفاء شرعية الصمود بوجه الاجنبي وتبرير استمرار النظام دون اية مراجعة للأخطاء. وكان امامه دزّينة كاملة من السنين، وحتّى آخر يوم قبل الغزو الاميركي الاخير للعراق، لولوج الطريق البديلة، اي انهاء التحكم الديكتاتوري الامني والعائلي، والتفاهم مع قوى المعارضة الوطنية؛ ونحن على علم بعدّة مبادرات، من قوى كانت تقف ومازالت ضدّ الاحتلال، من اجل هذا التفاهم، ماطلها صدّام احيانا، وتجاهلها احيانا أخرى حتى وقعت الكارثة.

وما أشبه الليلة بالبارحة! فكلنا يعلم كم كانت اليد السورية ثقيلة على لبنان، لكن سورية لم تقرر ابدا تخفيف حضور هو اقرب إلى الاحتلال حتى فاض الكيل مع فرض سورية التمديد للرئيس لحّود، واجبار البرلمان اللبناني على تعديل الدستور لهذه الغاية! أليس هذا ما فتح الطريق للقرارات الدولية اللاحقة؟ أليس التعنت والتجبّر السلطوي هو ما فتح الباب واسعا للتدخل الدولي، برضى ورغبة اطراف لبنانية ما عادت تحتمل هذا التسلط.

والآن، ها هو الحريق يصل اطراف الثوب السوري الذي انحسر عن لبنان، وفي قناعة الجميع اننا مازلنا في البداية، فهل يستفيد النظام السوري من درس العراق؟!

كل الدول العربية تفضّل مساومة اميركا وعقد صفقات معها على مساومة المعارضة الداخلية والتنازل امام شعوبها! ومنذ سنوات، بدأت منظمات المجتمع المدني بتقديم لائحة المطالب للتغيير الداخلي. وفي حينه، واكب مؤتمر القمّة في تونس مؤتمر مدني في بيروت، اصدر وثيقة تحت عنوان "الاستقلال الثاني"، ووضع امام الحكّام العرب استحقاقات التحول الفعلي الى ديمقراطية تكفل السيادة الوطنية. وقد رفضت تونس السماح بعقد المؤتمر على ارضها بالتزامن مع القمّة التي فشلت في اقرار مشروع اصلاح ذي مصداقية.

الوصاية تسحب ظلّها مجددا على المنطقة، مستقوية بالسمعة الرديئة لبعض الأنظمة، والديمقراطية هي طريق استعادة السيادة والندّية والكرامة الوطنيّة.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق