جميل النمري

الدستور المعدّل خير من الحرب الاهليّة!

تم نشره في السبت 15 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

التعديلات التي ادخلت على الدستور، في سباق مع الزمن لإرضاء السنّة، قسمت هؤلاء الى معسكرين؛ فقد وقف الحزب الاسلامي والوقف السنّي الى جانب التصويت لصالح الدستور، فيما بقيت هيئة العلماء المسلمين ومؤتمر اهل السنّة -اضافة الى المجموعات المسلحة- على موقفها ضدّ الدستور. لكن المعسكر الاخير ليس موحدا بشأن ما يجب ان يفعله الناخبون: المقاطعة او الذهاب الى الصناديق لقول "لا"؟

والدّاعون للمقاطعة ليسوا صنفا واحدا، فهناك من يخشى اضفاء الشرعية على الدستور اذا لم تصوت الاغلبية في ثلاث محافظات بالرفض، وهناك من يريد فقط تعطيل العملية السياسية ولا يؤمن اصلا بصناديق الاقتراع. لكن قضيّة الاغلبية السنّية هي التهميش والاقصاء، وليس نص الدستور، فهو بعد آخر تعديلات ليس سيئا، ويستجيب لبعض المطالب الوطنيّة المطروحة من السنّة، ويترك ايضا الباب مفتوحا لتعديلات لاحقة من جمعيّة تشريعية منتخبة.

رفض الدستور اصبح موقفا عدميا. فوجود الدستور يضع الاساس القانوني لاستمرار العملية السياسية، ويرسي مرجعية محددة لكيان الدولة. وفي الاثناء، يمكن مواصلة الصراع من اجل توازن افضل بين الاطراف، ومن اجل رحيل الاحتلال، اما افشال الدستور، فيضع العراق في حال اسوأ واخطر على مستقبله ووحدة كيانه.  

نعتقد ان الحزب الاسلامي، أكبر حزب سياسي سنّي، اتخذ موقفا مسؤولا وواقعيا، وهو لا يستحق الحملة الشرسة ضدّه. و يقال ان هناك تمردا من بعض قواعد الحزب، واستقالات قيادية، وهذا ممكن ومفهوم؛ لكن تفجير مقرّاته، وتهديد وترهيب قياداته يشي بأن الموقف السياسي السنّي اصبح رهينة التسلط المسلح والارهاب الذي لا يريد ان يعطي اي افق سياسي.

العديد من الاوساط السنّية تدعو إلى الاستفادة من أخطّاء الماضي؛ فالاستنكاف عن العملية السياسية ومقاطعة صناديق الاقتراع ضاعف تهميش السنّة، والبقاء خارج المشاركة السياسية لن يفضي الى نتيجة، والتحالف الشيعي-الكردي تعرض للتفسخ، وهناك مساحة واسعة للتأثير السنّي على المسار السياسي اللاحق. ويجب وضع سلّم للاولويات، فالاحتلال عاجلا ام آجلا سيرحل، لكن الوريث القائم في وسط وجنوب العراق هو النفوذ الايراني، الذي يمكن اعادة تحجيمه بتحالف سنّي شيعي عروبي.

المعارضة السنّية فرضت اعادة النظر والتفاوض بشأن بنود الدستور، وهناك تحرك من الجامعة العربية لا يمكن ملاقاته بموقف المقاطعة العدمي. فالقوى السنّية الان بحاجة ماسّة للاستفادة من الموقف العربي، ومن التناقضات في الائتلاف الحاكم، ومن ورطة الاميركيين المستفحلة. وان يرمي السنّة بثقلهم في العملية السياسية وفي الانتخابات التشريعية القادمة فهذه هي الطريق للتأثير، وردع سياسات الاقصاء والتهميش، والمحافظة على وحدة وعروبة العراق وانهاء الاحتلال، اما المقاطعة وافشال العملية السياسية فهي تقود فقط الى الحرب الاهلية.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق