هل حقق العرب مفاجأة في حرب أكتوبر؟

تم نشره في السبت 15 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

من المسلمات التي نتداولها، والإسرائيليون معنا أيضا، أن العرب استطاعوا ان يحققوا مفاجأة استراتيجية كبيرة عندما نجحوا في مهاجمة اسرائيل في اكتوبر العام 1973 على حين غرة. وتكمن المفاجأة ليس في الأداء الاستثنائي للقوات العربية، وإنما لما يعرف في اسرائيل بـ"التقصير"؛ بمعنى آخر فشل الاستخبارات الاسرائيلية في معرفة موعد الحرب، او حتى التعرف على جدية الاستعدادات المصرية والسورية التي أخذت أشهرا عدة قبل ساعة الصفر.

الموقف الاسرائيلي كان ولا يزال يتمثل في أن التقصير هو بسبب ضعف قدرات الاجهزة الاستخبارية في تحليل البيانات والمعلومات التي كانت ترد بانتظام من مصادر موثوقة، والتي كانت تشير الى تغير في تشكيلات القوات السورية والمصرية، وقدرتها على التحول من الدفاع الى الهجوم. ولم تقم القيادة الاسرائيلية، ممثلة بوزير الدفاع، باتخاذ الاجراءات الاحترازية -مثل استدعاء جنود الاحتياط- حتى بعد أن اتضح استفحال الأمور قبل يومين من بدء المعركة.

ولعل التقصير لم يكمن في جمع المعلومات، بل في الاستنتاج الصحيح والتقدير الدقيق لنوايا العرب العسكرية. فقد كان وزير الدفاع، موشيه دايان، الشخصية الأقوى في حكومة غولدا مائير، وكانت لديه افتراضات لم يجرؤ أحد على تحديها ساهمت في عدم قدرة اسرائيل على توجيه ضربة استباقية(Preventive Strike)، حسب العقيدة العسكرية الاسرائيلية التي صاغها بن غوريون بتأثير مباشر من موشيه دايان. فقد افترض دايان أن المصريين لن يهاجموا اسرائيل طالما لم يمتلكوا سلاح جو قويا، وكانت التقديرات قبيل حرب أكتوبر تشير بوضوح الى الضعف النسبي لسلاح الجو المصري. أما الافتراض الثاني فهو ان السوريين لن يهاجموا دون مصر، وبما ان مصر لن تهاجم فإنه من المستبعد أن تتجرأ سورية وتهاجم اسرائيل.

على الرغم من سلسة التحذيرات التي أوردتها تقارير الموساد للحكومة، الا ان صلابة هذه الافتراضات شجعت الحكومة الاسرائيلية على الاستهتار بجدية هذه التحذيرات. ويكشف كتاب جديد أعده ضابطان كانا يعملان في الموساد إبان حرب أكتوبر، ان الحكومة الاسرائيلية، وعلى العكس مما يشاع، لم تتفاجأ باندلاع المعركة، بل كانت تتمناها نتيجة اعتقاد الحكومة بقدرة الجيش الاسرائيلي على النصر وتحقيق مكتسبات استراتيجية لصالح اسرائيل. وينتقد الكاتبان لجنة التحقيق "أغرانات" التي أعفت السياسيين مما يعرف بـ"جرم التقصير"، فيما أوصت بإزاحة رئيس هيئة الاركان آنذاك ديفيد أليعازر.

وعلى اهمية هذا الكتاب، الا انه يعتمد على شهادات من كتبوا التقارير آنذاك وأرسلوها، ولا يستند إلى وثائق رسمية تتحدث عن مداولات الحكومة على سبيل المثال. والثابت أن استعدادت الجيش الإسرائيلي لم تكن جيدة، بدليل الخسائر الفادحة التي تكبدتها القوات الاسرائيلية في الايام الأولى من الحرب، قبل أن تتمكن اسرائيل من قلب المعركة رأسا على عقب، وتلحق هزائم متتالية بالقوات العربية قبل وقف إطلاق النار!

والقول ان الحكومة الاسرائيلية لم تتفاجأ هو شيء، دون ادنى شك، مختلف عن القول إنها كانت تريد الحرب. فعلى العكس تماما، كانت الحكومة الاسرائيلية بقيادة حزب العمل، وبعيدا عن تأثير اليمين الذي خرج من حكومة الوحدة الوطنية العام 1970، راضية تماما عن الانجازات الاستراتيجية التي حققتها في العام 1967. ولا يمكن الاتفاق مع ما ذهب اليه المؤلفان حول رغبة اسرائيل في المعركة، لانها لو كانت كذلك لما تأخرت إسرائيل عن اللجوء الى ضربة استباقية تجهظ قدرات القوات العربية الهجومية.

بالرغم من تأخر الجدل لثلاثة عقود ونيف، تبقى قيمة إطلاق جدل حول حقيقة ما جرى في غاية الأهمية، لا سيما وأنه يكشف زيف ادعاء السياسيين الاسرائيليين الذين يتمسكون دائما بوجهة النظر الرسمية.

باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية-الجامعة الأردنية

hassan.barari@alghad.jo

التعليق