رمضان كريم!

تم نشره في الخميس 6 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 02:00 صباحاً

اختار اثنان - من الذين كانوا يستعدون لصيام شهر رمضان- انهاء خلاف بينهما حول الدور على طابور في احدى المؤسسات الاستهلاكية عبر تبادل اللكمات, لأن رمضان شهر مبارك لا يجوز لمن يستعدون لاستقباله التنازل عن دور في الطابور.

وفي هذا الشهر نسمع وربما نتحدث بشعار متداول يقوله احدنا لزوجته او ابنائه او لشخص نختلف معه في السوق او الباص, وهو شعار يعبر عن فهم (حقيقي) لرمضان فيقول احدنا "ابعد عني لأني صائم" او نهدد بثورة غضب انتجه الصيام لأن "ارواحنا في راس انوفنا" فالصائم مشروع غاضب, او رجل على حافة الثورة والعصبية, والصراخ والاستعداد الدائم (للهوشات) حتى على سعر (ضمة الفجل) او كمية (الشطة) على صحن الفول.

ونحتاج الى جهد كل علماء الشريعة وعلم الاجتماع والنفس لنفهم العلاقة بين رمضان والصوم والجوع وقيام بعضنا "بسحب" كميات من الهايبكس ومنظفات الجلي والبلاط (الفلاش) من المؤسسات الاستهلاكية, ولماذا تزيد مشترياتنا من هذه المواد في شهر رمضان, وهل نستعملها في صناعة السلطة او الاستحمام او اي امر من امور الصيام, ولو ذهب اي منا الى مؤسسة مدنية او عسكرية لرأى انها تعرضت لتفريغ من الاردنيين استعدادا لرمضان, فمن كان يشتري (قلن) زيت اشترى ثلاثة او اربعة, وكأن رمضان موسم لسكب الزيوت.

لن ننتقد شراء الطعام والحلوى فكلنا وهو صائم يتمنى ان يحمل معه كل ما يجده في السوق, لكن كيف نفسر التزاحم على شراء (المكانس) او (الطناجر) وحتى (ملاقط الغسيل) وربما فرشات الاسفنج, وازدياد الطلب على كل شيء في رمضان, وما التفسير العلمي لهذه الحالة التي لا علاقة لها بالدين والصوم والعبادة!!

وحتى حوادث السير والخلافات تزداد خلال نهار رمضان واقصى حالات ضبط النفس التي يمارسها البعض ان يقول لخصمه "حل عني لأني صائم" فالصيام مصدر اثارة لكثير من الممارسات العصبية, وبعضها طبيعي او متوقع بحكم الجوع او انخفاض نسب النيكوتين والدخان في الاجسام والدماء, لكن بعضنا يبالغ في العصبية والتسرع وفي كل شيء وكأن من مستلزمات الصياح خروج الانسان عن طبعه وسلوكياته المعتادة, ورغم الكم الكبير من المواعظ والبرامج الاعلامية والدينية الا اننا نعيش احيانا حالة تناقض مع رمضان وجوهره, كالغضب وشراء كل شيء لا علاقة له بالصيام ومقاصده تماما مثلما يعتقد بعض الصائمين ان جوع النهار يعطيهم الحق بسهر وصخب وممارسات يفترض الا تكون موجودة على الاقل في ليالي رمضان.

ما بين الغضب والعصبية وافتعال ممارسات لا علاقة لها برمضان والتهافت على البقدونس والفجل يضيع جوهر الشهر الكريم الذي من المفترض ان يكون شهر عطاء وخلق والتزام, لا نطلب من انفسنا ان نكون مثل الصحابة والاولياء ولكن على الاقل ان نكون مدركين لفكرة الصوم واقل صخبا واقرب الى السلوك الطبيعي, فإن لم يكن بعضنا قادرا على اعطاء الصوم حقه فعلى الاقل ان نقلل من عمليات التشويه لهذا الموسم المبارك, فالصائم ليس مشروع غاضب او رجلا على حافة الثورة بل انسان يمارس عبادة. يروى في كتب الزهد مقولة عن سيدنا عيسى عليه السلام "اذا كان صيام احدكم فليرجل شعره".

[email protected]

التعليق