منار الرشواني

خديعة الإصلاح

تم نشره في الخميس 6 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

استيقظنا غدا صباحا لنجد أن دعاة الإصلاح في الوطن العربي، من مثقفين وعلماء واكاديميين وفقهاء وغيرهم، وقد آلت إليهم السلطة في بلد عربي ما. ولأننا على يقين أن هؤلاء لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، أو على الأقل لن يسمحوا لتاريخ الإصلاح والنهضة العربية القريب أن يعيد نفسه، لذلك فنحن نعلم إن هؤلاء الإصلاحيين لن ينقلبوا على مبادئهم، كما أنهم لن يغرقوا في عملية لا تنتهي من انقلابات على بعضهم البعض باسم الحفاظ على نقاء المبدأ. وهكذا، فلن يبقى أمام مصلحينا وإصلاحيينا من مهمة سوى الشروع في عملية الإصلاح التي جيشوا لها شعوبنا، بأجسادها وعواطفها.

لكن عند هذه النقطة بالتحديد لابد من مواجهة السؤال الحقيقي الذي نحاول، واعين أو غير واعين، تجنبه دوما: ما الذي نقصده بالإصلاح، وكيف يكون؟

قد تبدو الإجابة المألوفة تماما، والأقرب إلى البداهة متمثلة في "الديمقراطية"، لكن هل هي فعلا الديمقراطية؟ لنسلم أن هذه هي الإجابة الصحيحة التي نتوق إليها، وهي مفتاح الحل الذي طالما انتظرناه وسعينا إليه، يظل السؤال الآخر: لكن ما هي الديمقراطية التي سنسعى إلى تطبيقها فعلا؟ هل هي محض انتخابات تشريعية وبلدية، وفقا للمفهوم الذي سعت الولايات المتحدة يوما إلى تسويقه في بلادنا حول الديمقراطية، والذي لم يفض إلا إلى نموذج "الديمقراطية غير الحرة" (Illiberal Democracy)؟ وقبل ذلك، ماذا بشأن جدلنا الذي لا ينتهي، على عقمه حتى الآن، فيما يتصل بالعلاقة بين الإسلام والديمقراطية؟ وهذا السؤال الاخير هو جزء من السؤال الأهم والأكبر الحاضر دوما حول دور الدين في المجتمع العربي والإسلامي، والذي سيفرض حكما الإجابة عن السؤال حول ماهية الإصلاح العربي القادم؛ هل هو إصلاح علماني، أم هو إصلاح ديني، متشدد أو معتدل، أم هو حتى إصلاح "لائكي" يرفض حضور الدين اساسا في المجتمع؟ 

ربما تكون الإجابة الامثل عن سؤال الإصلاح هو الديمقراطية بمقوماتها كافة، والتي تشمل خصوصا احترام حقوق الإنسان وحرياته الاساسية، بمعناها الواسع والشامل، بالإضافة إلى المشاركة السياسية والتعددية السياسية وسيادة مفهوم الاغلبية مع احترام الاقلية. لكن هنا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، لابد أن نتساءل ومن ثم نسأل إصلاحيينا الذين يزداد عددهم وأنصارهم يوما بعد يوم: ماذا سنفعل على صعيد حقوق الإنسان فيما يتعلق بالأقليات، عرقية كانت أم دينية أم مذهبية؟ وفي ذات السياق، ماذا بشأن الفقر والبطالة التي نحمل مسؤولية تفاقهما في الوطن العربي لحكوماتنا التي رضخت لمؤسستي بريتون وودز من خلال البرامج المسماة -بهدف اسباغ الصفة الوطنية عليها- "الإصلاح الاقتصادي"، فهل نستطيع فعلا أن نعلن الآن حالة فك ارتباط من طرف واحد مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؟

قائمة الاسئلة تطول، ولربما تطول جدا، والغاية من طرحها هنا ليس الدفاع عن الأوضاع القائمة وأولئك الذين أوصلونا إليها، إنما الغاية من طرح هذه الاسئلة هو معرفة ما إذا كانت حركتنا نحو الإصلاح تسير فعلا في ذلك الاتجاه، أم أنها لا تعدو أن تكون حركة نحو التغيير، والفرق بين الأمرين كبير، وكبير جدا!

بالنتيجة، وفي أي محاولة للتعاطي بجدية مع الأسئلة السابقة، تبدو الإجابة مخيبة للآمال! إذ نزعم أن جميع الحركات و"الهبات" العربية المسماة "إصلاحية"، ومن المحيط إلى الخليج، لا تعدو أن تكون محاولة للقفز إلى الأمام، أو بعبارة أدق مساع إلى التغيير الذي لا يعني الإصلاح بالضرورة، بل ولربما أدى إلى إعادة انتاج ظروف القهر والاستبداد تحت مسميات جديدة وبوجوه غير مألوفة، أما الدليل على زعمنا السابق، فهو حقيقة غياب أي مشروع إصلاحي عربي حقيقي ومتكامل، يشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ويقدم رؤية نهضوية مستقبلية قادرة على تقديم تعريف دقيق للقيم الإنسانية التي لا يجوز لنا التنازل عنها تحت أي ظرف ووفق أي ذريعة.

وعلى سبيل المثال، ورغم حديثنا الانيق، في فورة الاصلاح التي تجتاح بلداننا، عن مفهوم المواطنة الشامل وإعلائنا من شأنه بعد عقود طويلة من اضطهاد الأقليات العرقية والدينية، إلا أننا لا نملك أي رؤية عربية و/أو إسلامية للمقصود بمفهوم المواطنة بدلالته العصرية! كذلك، ورغم إمكانية أن تكون الديمقراطية أو أية نتائج إصلاحية أخرى سبيلنا الحقيقي إلى الوحدة العربية القادرة على تعظيم نتائج الإصلاح، إلا أننا نجد هنا أيضا أننا نفتقد لأي تصور فكري لمشروع الدولة، سواء على المستوى القطري أو على المستوى القومي. أما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، وبعد عقود طويلة من المناداة بنظام اقتصادي دولي أكثر عدالة، ورغم الازمات الاقتصادية والاجتماعية التي تطحننا، فإننا لا نكاد نلمح أي مشروع اقتصادي عربي يفهم الواقع ويتعاطى معه، وقادر على تجاوز سلبيات العولمة التي نخشاها!    

قد تكون الديمقراطية مطلبا أساسيا لخلق البيئة الملائمة لإنطلاقة مثالية للإصلاح، أو هي أولى خطواته، لكن لا يجوز أبدا اختزال هذا الإصلاح بالديمقراطية من حيث هي محض انتخابات، أو بعض الانفراجات السياسية المتفرقة.

وبعبارة أخرى، فإن الإصلاح الحقيقي لا يقتضي تظاهرات وخطابات رنانة هنا وهناك، بقدر ما يحتاج إلى مشروع مجتمعي متكامل قادر على توحيد الناس وجعل الإصلاح في هذه الحالة عملية دائبة لا تتوقف، ولا تخضع لموسمية الضغوط الاميركية المرتبط بالمصالح. وفي ظل غياب هذا المشروع يغدو الحديث عن أي إصلاح بمثابة الخديعة التي تمارس بحق الشعوب العربية.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طول بالك.. (محمد)

    الخميس 6 تشرين الأول / أكتوبر 2005.
    السيد منار المحترم,,
    اشكرك على هذا المقال و ارجو منك ان تدرس واقع الديمقراطية الغربية ايضا(ليس فقط العربية) لكي تكتشف ان كل الحكومات مهما كان موقعها الجغرافي تستخدم نفوذها للمصالح الشخصية و الحزبية.. و الشخصية اكثر, لذلك يا سيدي ارى ان تعيد النظر في حساباتك و كفانا تبعية للغرب الذي لاينفك ان تتكشف حقائق انظمته من زيف و خداع .

    واقبلوا فائق الاحترام