استقلالية البنك المركزي وضرورته

تم نشره في الاثنين 3 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 02:00 صباحاً

  ثمة خلط واضح في أنظمة الحكم المعاصرة بين سلطة إصدار النقد وسلطة إنفاقه. الحكومات في الدول عادة تختص بإنفاق الأموال بعد الحصول عليها من دافعي الضرائب. أما البنوك المركزية، فإنها تختص بإصدار النقد والحفاظ على قيمته ما أمكن.

     ولأن لكل من السلطتين طبيعة مختلفة تمام الاختلاف عن الأخرى، فإن الجمع أو الخلط بينهما له ذيول اقتصادية وخيمة تنعكس على اقتصادات السوق بأشكال من التضخم المتزايد عاما تلو الآخر. ولو أخذنا على سبيل المثال البنك المركزي الأردني، لوجدنا ان من غاياته الرئيسية في المادة الرابعة من قانونه الحفاظ على الاستقرار النقدي في المملكة وضمان قابلية تحويل الدينار عبر إصداره لأوراق النقد والمسكوكات.

     ومن جهة اخرى، فإن محافظ البنك المركزي الأردني ونائبيه يعيّنون من قِبل مجلس الوزراء لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، كما يعيّن بقية الأعضاء بقرار من مجلس الوزراء لمدة ثلاث سنوات. واضح من نص القانون ان السلطة الحقيقية على البنك المركزي هي أولاً وآخراً في يد السلطة التنفيذية، وانه بمقدور تلك السلطة التدخل في سياسة صنع النقد في المملكة، كما بإمكانها التأثير عليها لتتماشى مع سياسات الإنفاق التي تمارسها.

    مجلس الاحتياط الفيديرالي في الولايات المتحدة (البنك المركزي الأميركي) على سبيل المثال مشكّل من سبعة محافظين يعيّنهم الرئيس الأميركي لمدة 14 عاماً غير قابلة للتجديد. ولكن حفاظاً على نزاهة مجلس المحافظين وقدرته على العمل في سبيل الصالح العام ككل، منع القانون الأميركي على رئيس الولايات المتحدة إقالة أي من المحافظين كي لا يتسنى له أو لإدارته التأثير على سياسات البنك المركزي بأي شكل من الأشكال.

    وينطبق الأمر كذلك على البنك المركزي الاوروبي الذي يشرف على إدارة العملة الموحّدة، اليورو، بمعزل عن تأثير الحكومات الاوروبية عليه. ونظرية استقلالية البنوك المركزية عن السلطات التنفيذية ليست مادة حديثة في عالم الاقتصاد، بل انها تعود إلى مطلع القرن التاسع عشر، حيث أثار عالم الاقتصاد الانكليزي، ديفيد ريكاردو، أهمية انفصال البنك المركزي عن الحكومة وأهمية تجريد السلطة التنفيذية من صلاحية إقالة إدارات البنوك المركزية.

    ورأى ريكاردو ان الحكومات تسيء إدارة الثروة النقدية لأنها معنية بإنفاقها وليس بالحفاظ عليها، وانه لو أرادت الحكومات زيادة ثرواتها النقدية فإنه يتعيّن عليها عمل ذلك بالطرق المشروعة، سواء عبر فرض الضرائب والرسوم، وليس من خلال إصدارها للمزيد من النقد أو عن طريق الاستدانة من البنك المركزي.

     لا شك ان البنك المركزي يمثّل حجر الزاوية في البناء النقدي لأي اقتصاد، وضرورة تحصين استقلاليته تنبع من المقتضيات الدستورية نفسها التي أوجبت استقلالية السلطات الثلاث عن بعضها البعض. وبالتالي، فإن عمليات الاصلاح الاقتصادي، سواء في الأردن أو أي من دول العالم الثالث، تقتضي تكريس تلك الاستقلالية واقعاً فعلياً كي تصبح البنوك المركزية قادرة على تنمية الثروات النقدية، وتصبح الحكومات ملزمة بالتعامل بمواردها الحقيقية المشرّع لها استخدامها وليس بما يتعدى ذلك.

التعليق