مسودة الدستور العراقي: الدين والسياسة

تم نشره في الاثنين 3 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

يبدو الدين قوي الحضور في الدستور العراقي منذ البدء بإعداد مسودته وحتى عملية الاستفتاء بشأنها وإقرارها من قبل الشعب العراقي. وحضور الدين في مراحل إعداد مسودة الدستور العراقي كافة، والذي وصل حد الجدل الحاد حول مكانة الدين، والإسلام تحديدا كدين للأغلبية العراقية، في التشريعات التي تنتظم مناحي حياة المجتمع كافة، هذا الجدل، وأيا كانت حدته كان من أكثر العناصر إيجابية في عملية وضع الدستور، باعتباره تعبيرا عن رؤى وتصورات مختلفة ومتنافسة حول طبيعة الدولة الوليدة التي يفترض ويؤمل أن تكون دولة ديمقراطية، بما يعنيه ذلك من سيادة رأي الاغلبية حكما، إنما مع كبح جماحها خشية وقوعها في الاستبداد الذي يؤدي إلى التغول على الأقلية.

نتيجة هذا الجدل بدت باللجوء إلى الحل المثالي من وجهة نظرنا، والمتمثل في النص التوفيقي الذي تضمنته المادة الثانية من مسودة الدستور، والذي قام على الجمع بين الإسلام والديمقراطية، باعتبار أن كلا منهما هو من المبادئ الاساسية للدستور العراقي القادم، كما جاء عنوان البند الذي تضمن هذه المادة التي نصت على أنه:

"اولاً: الاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر اساس للتشريع:

أ- لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.

ب- لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.

ج- لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور.

ثانياً: يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والايزديين والصابئة المندائيين".

ومثالية هذا الحل لا تبدو من التعبير عن وجهتي نظر تبدوان متعارضتين إلى هذا المدى أو ذاك فحسب، بل أيضا من احتمالية مواجهة هذا النص التوفيقي للإشكالية المزمنة في الثقافة والممارسة السياسية العربية والإسلامية بشكل عام، وهي الإشكالية المتمثلة في مدى توافق الإسلام والديمقراطية وحدود تعارضهما، بكل ما تستدعيه ذلك في العادة من مواقف متباينة تماما تقوم على رفض أحد طرفي العلاقة، أي تعارض الإسلام مع الديمقراطية، من وجهة نظر البعض، أو تعارض الديمقراطية مع اسس الإسلام الحق، من وجهة نظر أخرى، وصولا إلى الرأي القائل بعدم وجود مثل هذا التعارض على الإطلاق. وهكذا، يبدو نص المادة الثانية السابقة بمثابة تحد أو فرصة بالنسبة للشعب العراقي في سعيه إلى بناء دولة تقوم على احترام الإنسان، وهذا التحدي-الفرصة يبدو في القدرة على حل هذه الإشكالية وإلغاء ما يفترض أنها تتضمنه من تناقض بين الإسلام والديمقراطية على أرض الواقع والممارسة، وليس على صعيد التنظير الذي يمكن أن نجد فيه دليلا مؤيدا لحجج أي طرف من الأطراف، أيا كانت وجهة نظره.

لكن هذه الفرصة التي قد تكون في حال اغتنامها نموذجا يحتذى في العالم العربي والإسلامي، من حيث أراد العراقيون أم لم يريدوا، تبدو اليوم في مواجهة أول امتحاناتها العسيرة، إن لم نقل إنها في مهب الريح، والسبب في ذلك هو عملية الحشد الديني بين القوى العراقية المختلفة للتصويت على مسودة الدستور، ونقصد تحديدا اللجوء إلى سلاح "الفتوى" لإلزام أتباع هذا المذهب أو ذاك بالتصويت بـ"نعم" أو "لا" على المسودة.

قد يبدو مفهوما تماما ومبررا إصدار فتوى تحض على التوجه لاختيار الجمعية التأسيسية، او الجمعية الوطنية، بهدف وضع دستور للبلاد يمكنها من رسم طريقها المستقبلية، لكن هذا التبرير لا يجد له اي مكان في عملية الاستفتاء على مسودة الدستور. ذلك أن اللجوء إلى الفتوى في أول مناسبة لممارسة السياسة على المستوى الشعبي، وفيما يتعلق بالنص الاساسي والتأسيسي للدولة العراقية القادمة يعني تلقائيا حسم جدلية علاقة الدين بالسياسة لمصلحة الدين، إنما بإلغاء السياسي وليس استيعابه، والأهم أن هذه السيادة للدين، بمفهومه الشرعي المحدد والخالص، ونتيجة دوافع آنية أو لحظية، لم يأت نتيجة تعارض مع السياسي، وهو ما كان قد يشكل مبررا لدى جزء كبير جدا من الشعب العراقي في حال حصوله. ومن ثم، سيكون اللجوء إلى الفتوى في مثل هذه الحالة مصادرة على السياسي وإعمالا للدين في غير مكانه.

خطورة هذا الإعمال الخاطئ للدين تبدو في بلد كالعراق أكثر من غيره، بالنظر إلى توازن القوى الموجود على الأرض عقب الاحتلال، ليس لأنها تشرع الباب واسعا لفتاوى مضادة قد تكون نتيجتها أنهار دماء فحسب، بل إن الخطورة الفعلية تبدو في حقيقة أن التوظيف الخاطئ للدين لن يؤدي إلا إلى إلغاء مفهوم المواطنة ذاته!

فلو افترضنا أن مسودة الدستور العراقي الحالية مثالية بالنسبة إلى الفريقين القويين الآن على الأرض، ونقصد الفئات المسيطرة من شيعة وأكراد، وأن هؤلاء قد أسقطوا السنة من حساباتهم تحت ضغط ذكريات الماضي الأليمة، وصدرت بالتالي فتوى ملزمة بالتأييد تلك المسودة، يظل السؤال: ماذا سيكون عليه الوضع مستقبلا عند أي خلاف سياسي بين حلفاء اليوم في حال إقرار سابقة الفتوى؟ بالتأكيد سيكون اللجوء إلى الدين من قبل أي فريق مصادرة لجوهر المواطنة الحقيقية التي تسمح بالمساومة والوصول إلى تسوية تحافظ على الإطار الجامع، وعندئذ لا يبقى من حل إلا العودة إلى الانقسامات المذهبية والعرقية، وصولا ربما إلى الانفصال والتنائي، لكن بثمن باهظ على الأغلب!

مفهوم أن تسعى الولايات المتحدة جاهدة إلى إقرار دستور عراقي في اسرع وقت ممكن، وأن تقوم في سبيل ذلك بإجراء إضافات تجميلية هنا أو هناك، طالما أن هدف الإدارة الأميركية لم يعد يتجاوز الإدعاء بنصر سياسي جديد أو حتى الاستعداد لانسحاب طارئ. أما بالنسبة للعراقيين، فليس من مصلحتهم بالتأكيد مشاركة الولايات المتحدة هذا الاستعجال على حساب مستقبلهم، بحيث يرتضوا دستورا لا يكون أكثر من عصا سليمان التي ستنهار قريبا جدا. فالدستور عملية مساومة سياسية وليست قضية دينية، إسلامية أو غير إسلامية ناهيك عن مذهبية، تخضع لمبدأ الرئيس بوش "إما معنا أو ضدنا"! بل هي عملية مستمرة في كل وقت طالما بقيت الدولة، والتي لا تبقى إلا بإرادة شعب منتم إليها من خلال التعبير عن نفسه بعدالة وإنصاف.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق