محمد أبو رمان

إشكالية العلاقة بين الثقافي والسياسي

تم نشره في الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

قراءة في أوراق الإصلاح العربي (4)

 

    ناقشتُ في مقالات سابقة الأثر السلبي للثقافة العربية الحالية على حركة الإصلاح السياسي، بما في ذلك التراث السياسي العربي-الإسلامي. وقد تكشّف أن الموروث الثقافي، بما يتضمنه من أمثال وحكم وقيم سائدة تحكم علاقة كل من الفرد والمجتمع بالسلطة، لا يساهم في دفع حركة الإصلاح إلى الأمام بقدر ما يدفع إلى السلبية والحذر من التورط في مشاكل السياسة. وداء الحذر من السياسة لم يصب "العامة" فقط، وإنما أيضا "النخبة المثقفة" في العالم العربي، كما يفصّل ذلك المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري في كتابه "العرب والسياسة: أين الخلل؟!". إذ يرى الأنصاري أنّ هناك حالة أشبه بفقر الدم أو "الأنيميا السياسية" في علاقة العرب بالسياسة. في حين يقترب الإمام محمد عبده من جعل السياسة بمثابة "الشجرة الملعونة"، عندما يقول: "أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة، ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس"!

الملاحظة السابقة خلقت جدلية بنيوية داخل الخطاب العربي المعاصر حول العلاقة بين الثقافة والسياسة، وفيما إذا كانت أولوية الإصلاح هي للجانب السياسي أم للجانب الثقافي؟

    يذهب اتجاه فكري إلى أن الثقافة السياسية العربية هي نتاج فشل الخبرة التاريخية، وأن الإصلاح الثقافي مرتبط بنجاح التجربة السياسية العربية في الخروج من الآفات الحالية وتقديم نموذج صحي على صعيد الممارسة العملية، الأمر الذي سينعكس على الحالة الثقافية ويساهم في إعادة الشعوب العربية إلى دائرة المشاركة السياسية الفاعلة.

    وفي رؤية موازية للاتجاه السابق، يرى عدد من المفكرين والمثقفين أنّ ما يسمى بـ"المشكلة الثقافية" وَهْمٌ كبير وتحايل على التحديات السياسية الحقيقية التي تواجه العرب؛ فالمجتمعات العربية ليس لديها مشكلة ثقافية في الجانب السياسي، بل هي من أكثر الشعوب في العالم وعيا بالسياسة واستعدادا للحراك السياسي، إنما المشكلة الحقيقية مع الاستعمار والهيمنة الغربية التي تنعكس سلبيا على الداخل العربي.

في المقابل، ثمة اتجاه آخر يصر على وجود "المشكلة الثقافية"، ويرى أنها تمثل العائق الأول في طريق الإصلاح السياسي، وأن الأولوية في الإصلاح لابد وأن تكون للجانب الثقافي. فبدون إنتاج حالة ثقافية صحية داخل المجتمعات العربية، ستبقى الأمراض السياسية مهيمنة، وإذا ما تخلصت الشعوب العربية من استبداد "السلطة الحالية"، فإنها ستقع لاحقا في استبداد "السلطة القادمة" حتى لو جاءت من حصون المعارضة، ذلكم أن جرثومة الاستبداد قابعة في ثقافتنا السياسية ذاتها، على مستوى الفرد والمجتمع في آن معا.

    في هذا السياق كانت رؤية الإمام محمد عبده متقدمة تاريخيا في أولوية الثقافة في عملية الإصلاح، إذ يرى أن الإصلاح السياسي يبدأ من التربية والتعليم. إلاّ أن المساهمة الأم والرئيسة في الخطاب العربي كانت للمفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي يضع في كتابيه "شروط النهضة" و"مشكلة الثقافة" دورا محوريا للثقافة في أية عملية إصلاح مطلوبة، ويرى أن شروط النهضة تتمثل بالتفاعل بين الإنسان والوقت والتراب، وأن تحريك الإنسان من حالة السلبية إلى الفاعلية إنما يرتبط بالثقافة.

تنطلق مدرسة مالك بن نبي من وجود مشكلة ثقافية هي التي تمهد للاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، فوطن الاستعمار والاستبداد هو داخل الإنسان العربي في وجود القابلية للاستبداد والاستعمار، والمشكلة الحقيقية التي تواجه المجتمع العربي هي مع نفسه وليس مع الآخر، إذ يقول ابن نبي: "أخرجوا الاستعمار من عقولكم يخرج من أرضكم". مما يعني نقل الاشتباك إلى الداخل مع الإنسان العربي وثقافته والمجتمعات العربية وأمراضها؛ وبعبارة أشمل، مع "التخلف" للوصول إلى بناء شروط النهضة والتقدم التي تسمح بالخروج من النفق السياسي الحالي.

     ولعل القيمة الكبرى العملية لرؤية ابن نبي تتمثل في تحرير السياسة من السلطة إلى مجال الأمة بأسرها، وهو ما يدفع إلى الاهتمام بالمجتمعات وتنميتها وتطويرها بدلا من استنزاف الجهد في جدل سياسي يدور في حلقة مفرغة حول إصلاح السلطة والحكومات، لأنه لا إصلاح للسياسة دون إصلاح لبنيتها التحتية، أي "المجتمعات". فالسلطة –كما يرى ابن نبي- هي "مرآة المجتمع".

    لقد تعرضت رؤية مالك بن نبي للإهمال، ولم تنل إلى الآن ما تستحقه من الدراسة والتحليل. ولعل السبب في تجاهلها داخل الخطاب العربي يعود إلى عدة أسباب منها: اهتمام النخب والاتجاهات الفكرية العربية، لمدة طويلة، بالصراع السياسي المباشر، سواء الداخلي(الصراع على السلطة) أم الخارجي(مع الدول الكبرى). بينما تعطي رؤية ابن نبي الأفضلية والأولوية للجانب الثقافي، وهو ما لم يرُق لكثير من السياسيين والمثقفين العرب المتحمسين للسياسة، وقد كانوا يعتقدون أن الشعوب العربية قاب قوسين أو أدنى من تحقيق طموحاتها، خاصة مع قوة دفع الثورة الجزائرية ضد الاستعمار سابقا، وخطابات عبد الناصر أو الثورة الإيرانية لاحقا، وما رافق تلك السنين من شعارات وادعاءات وأوهام تكشَّف زيفها وفشلها بعد تجارب عربية مريرة، الأمر الذي دفع بالباحث اللبناني وجيه كوثراني إلى التساؤل في مقال له مع بداية التسعينيات:" لماذا العودة إلى مالك بن نبي"؟

     خيبات أمل المجتمعات والشعوب العربية من السياسة، ومن الأوهام التي سوقت عليها طيلة العقود السابقة، دفعت للعودة إلى مشروع الإصلاح الداخلي، المرتبط ليس فقط بالسطح السياسي بل بمقوماته وجذوره الثقافية المستمدة من المجتمع. ولعل ما يعطي قوة دفع لهذه الاتجاهات والقناعات الجديدة "الحالة العراقية" اليوم؛ إذ وجد الإنسان العربي نفسه مكشوفا ثقافيا وهو يرى شبح الحرب الأهلية يخيم على العراق، وصعود الطائفية والعرقية ليس في العراق وحده بل في العديد من دول العالم العربي، ليتبن لنا أننا فشلنا ليس في صراعنا مع الاستعمار أو الاستبداد بل في بناء ثقافة التعايش السلمي والثقافة المدنية، وربما حتى في "إدارة حياتنا اليومية"، كما يرى محمد جابر الأنصاري.   

     وعلى الرغم من إعادة الاعتبار للمسألة الثقافية في السنوات الأخيرة، إلاّ أن الاهتمام بها مازال ضعيفا على الصعيد المعرفي، ولما تنل بعد استحقاقها؛ بل إن تعريف الثقافة لا يزال قاصرا في الأدبيات العربية وعالة في كثير من الأوقات على المفهوم الغربي للثقافة. وربما يمثل الكتاب الصادر حديثا بعنوان "المسألة الثقافية: من أجل بناء نظرية في الثقافة"، للباحث السعودي زكي الميلاد، جهدا نوعيا متقدما في استجلاء مفهوم الثقافة وتوضيح معانيها. إذ يعرض الميلاد لنظرية مالك بن نبي في المسألة الثقافية من خلال رؤية تحليلية نقدية، كما يقدم رؤية علي عزت بيجوفيتش حول الفرق بين الثقافة والحضارة المبنية على الانتصار للثقافة وقيم الروح، ويعرض كذلك لرؤية توماس اليوت في تعريف العلاقة بين الثقافة والدين، ومن ثم يحاول بناء أشكال العلاقة الممكنة بين الثقافة والسياسة، والمعالم العامة لبناء نظرية في الثقافة في العالم الإسلامي مستمدة من الأصول الحضارية والمعرفية الإسلامية.

    يمكن القول إن كتاب الميلاد وما يتضمنه من حوار ثري يمثل بحد ذاته علامة على إمكانية تطور الاتجاه الفكري والسياسي العربي الذي يعيد الاعتبار لأهمية العامل الثقافي في الإصلاح السياسي.

[email protected]

التعليق