الصفقة السورية

تم نشره في الاثنين 26 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

   ما الفرق بين ما إذا كانت سورية متورطة، على أي مستوى وبأية درجة، في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أم لم تكن؟ من وجهة النظر الأميركية على الأرض ليس هناك أي فرق، الأمر الذي تقر به القيادة السورية قبل غيرها عندما تصر على القول إن هناك محاولات لاستغلال جريمة اغتيال الرئيس الحريري للنيل من سورية، لا سيما عبر جعل التحقيق في الجريمة ذا صبغة سياسية وليس تحقيقا قضائيا جنائيا. وانتفاء الفرق، الذي يبدو حقيقة فعلية، بشأن تبعات نتيجة التحقيق يجعل   من المنطقي أن تستعد سورية للنتائج الاسوأ اللاحقة لإصدار    تحقيق "ميلس" نهاية الشهر القادم أيا كانت نتيجته، باعتبار أن نهاية هذا التحقيق ستكون بداية التحول الحقيقي والجذري في التعاطي الأميركي مع سورية. وبناء على ذلك، لا يبدو الحديث عن صفقة سورية لتفادي تلك النتائج منطقيا فحسب، وإنما هو مطلب ضروري لا غنى عنه. لكن المهم، والسؤال الذي لابد من طرحه في هذا الخصوص هو: صفقة حول ماذا، وبالتالي من هم أطرافها؟

    صحيفة "واشنطن بوست" تحدثت في عددها الصادر يوم الجمعة الماضي (23/9/2005) عن سعي سوري إلى إبرام صفقة مع الأمم المتحدة، وبالتالي مع الاميركيين والأوروبيين لا سيما فرنسا، على غرار الصفقة الليبية في قضية لوكربي، تقوم على تسليم المتهمين السوريين في جريمة اغتيال الرئيس الحريري –في حال ثبوت ضلوع سورية في الجريمة- مع تعهد بعدم ملاحقة شخصيات سورية أرفع منصبا. لكن، وبغض النظر عن مدى دقة الحديث عن هكذا مساع من قبل السوريين، يبدو من الممكن القول إن هكذا صفقة تبدو بعيدة المنال عن الرئيس السوري بشار الاسد لأسباب كثيرة.

    فالثمن الذي دفعه الرئيس الليبي معمر القذافي في صفقة لوكربي، من ناحية التعويضات المالية والكشف عن برنامج ليبيا لتطوير أسلحة الدمار الشامل ومن ثم تفكيكه، هذا الثمن لا يبدو هو المطلوب أميركيا من سورية لعقد صفقة معها، إذ إن ما تريده الولايات المتحدة فعليا هو انخراط سوري كامل وغير مشروط في المشروع الأميركي في المنطقة، وضمن ذلك، وكما يقرر روبرت ساتلوف، "رحلة من الرئيس السوري بشار الأسد إلى إسرائيل للحديث مباشرة إلى الإسرائيليين حول قضية السلام". لكن بعيدا عن أن مثل هذا الثمن، وضمنه اشياء أخرى، يبدو مرتفع الكلفة إلى حد بعيد على صعيد شرعية نظام الحكم السوري القومية في الواقع، فإن السؤال المنطقي في هذا السياق هو ما إذا كان الرئيس بشار الاسد مازال مقبولا لدى الإدارة الاميركية حتى لأداء هكذا ثمن؟

يبدو جليا أن الإدارة الاميركية قد ذهبت بعيدا، ولربما إلى تجاوز نقطة اللاعودة، في تجاهل الرئيس الاسد، لا سيما منذ إعلان الرئيس الأميركي بوش في نيسان الماضي أنه "شطب" الرئيس الاسد "من قائمة الزعماء الذين يتعاطى معهم، تماما كما فعل في الماضي مع عرفات". ومع استبعاد الحل العسكري ضد سورية، بالنظر إلى ما آل إليه الوضع في العراق، ومن حقيقة أن الحفاظ على الاستقرار في سورية يبدو أحد العوامل التي قد تساعد الولايات المتحدة على الخروج من المأزق العراقي والعكس صحيح، لكل ذلك بات مقبولا توقع تطبيق "النموذج الموريتاني" في الحالة السورية، اي تدبير أو تشجيع عملية انقلاب من الداخل، بما يسمح بتجديد الشرعية للنظام السوري "الجديد" من خلال بعض    الانفراجات الداخلية على صعيد الحريات العامة والمشاركة السياسية، إنما المحدودة بالتأكيد، مع الحفاظ على السمات الاساسية للنظام المنسجمة مع السياسات الأميركية وإحداث تغييرات جذرية على صعيد السياسة الخارجية، خصوصا فيما يتعلق بإسرائيل والعراق.

    في الصفقة المفترضة السابقة يبدو الفائز الاكبر هو الإدارة الأميركية، لا سيما إذا نجحت في عقد "تسوية" سورية-إسرائيلية، وكذلك من خلال الزعم أنها نجحت في توسيع نطاق الديمقراطية في الشرق الأوسط، أما الخاسرون فهم بالتأكيد النظام الحالي والشعب السوري الذي يريد ديمقراطية حقيقية لا مقيدة. لكن هل يستطيع هذان الطرفان الخاسران أن يقلبا الطاولة مبكرا من خلال صفقة حقيقية بينهما، اي صفقة سورية-سورية، تحمي الوطن والمواطن بمعناهما الحقيقي؟ هذه هي الصفقة الضرورية والتي لا غنى عنها في الواقع.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق