منار الرشواني

نحبها أو نكرهها: أميركا التي لا نعرفها

تم نشره في السبت 24 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

يروي المفكر العربي الراحل إدوارد سعيد أنه التقى شابا لبنانيا ألمعيا كان قد حضر إلى الولايات المتحدة الأميركية لاتمام دراسته العليا في تخصص التاريخ، وقد حاول سعيد عبثا ودون جدوى إقناع الشاب اللبناني التخصص في تاريخ الولايات المتحدة بدلا من تاريخ لبنان الذي أصر الشاب على أن يكون مجال تخصصه. كان ذلك قبل زمن طويل نسبيا من الحضور الاميركي المباشر في المنطقة العربية منذ حرب الخليج في العام 1991، والذي تطور بعد ذلك إلى أن غدا اليوم حضورا سياسيا بقدر ما هو عسكري، يتجسد في الإطاحة بأنظمة وضغوط علنية لتغيير أنظمة أخرى، وغدت الولايات المتحدة سلطة قهر مباشر للشعوب العربية، كما هو الحال في العراق، بنفس ما هي تهديد حقيقي لأنظمة ظن بعضها في مرحلة سابقة أنه حليف لا غنى عنه للولايات المتحدة. مع كل ذلك، فقد بقيت المشكلة التي لخصها إدوارد سعيد على النحو السابق، وربما غيره، حاضرة بالقوة نفسها إن لم تكن قد ازدادت عمقا، وهي ببساطة شديدة أننا لا نعرف أميركا، وبالتالي فنحن لا نفهمها.

المثال الأثير الذي نستحضره دائما للتدليل على عدم معرفتنا بالولايات المتحدة، والذي قدمه ايضا إدوارد سعيد ذاته، هو عدد المراكز العربية، المستقلة أو تلك التي تتبع للجامعات، المتخصصة في الشؤون الأميركية. هنا قد يبدو إلقاء اللوم على حكوماتنا أو مؤسساتنا الأكاديمية وصانعي القرار فيها منطقيا وممكنا، لكن الحقيقة أن اللوم في زمن ثورة الاتصالات وعصر الانترنت يبدو منطقيا وذا معنى فقط في حال إلقائه على الباحثين والكتاب الأفراد قبل غيرهم، والذين يمثلون الشرط المسبق لوجود أي مؤسسة بحثية حقيقية قادرة على فهم الولايات المتحدة الاميركية وسياساتها. ودعونا هنا نكتفي بمثالين معاصرين من زمن الحضور الأميركي المباشر في منطقتنا.

فمع وصول الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن إلى السلطة، برز فجأة في دراستنا، كاستجابة لاهتمام أميركي وعالمي أصلا، الاهتمام بالبعد الديني في تفسير السلوك الأميركي، لا سيما على صعيد السياسة الخارجية تجاه المنطقة العربية. وفي هذا السياق، وعقب أحداث الحادي عشر من ايلول 2001، قام أحد مراكز الدراسات العربية النشيطة والواعدة، والذي كان يعول عليه الكثير حتى إغلاقه بضغط أميركي، بإصدار كتاب لباحث عربي يقتصر على دراسة الولايات المتحدة، لكن المفارقة أن الكتاب لم يكن يستند إلا إلى ثلاثة مراجع فقط باللغة الإنجليزية، فيما كانت بقية المراجع عربية! ومثل هذا النموذج يمكن إيجاده في أغلب الدراسات العربية، سواء تلك الصادرة عن جامعات أو مراكز بحثية، وبرغم الكم الهائل من الدراسات الصادرة عن مراكز بحثية مرموقة في الولايات المتحدة والمتوفرة مجانا على شبكة الانترنت.

المثال الثاني المعبر ظهر في أعقاب الغزو الأميركي للعراق وما تبعه من فوضى وبدايات حرب أهلية، إذ شاع في كتاباتنا منذ تلك الفترة مصطلح قيل إنه سياسة أميركية، وهو "الفوضى الخلاقة". ووفقا للكتابات العربية التي أمكن لنا الاطلاع عليها، يمكن تلخيص جوهر هذا المفهوم-السياسة في أن شفا الحرب الأهلية التي وصل إليها العراق منذ الاحتلال الأميركي ليست إلا سياسة أميركية مقصودة، بل ومطلوب تعميمها على المنطقة بأكملها! ربما كان ذلك صحيحا، لكن في محاولتنا إيجاد سند حقيقي للمصطلح السابق في الأدبيات الأميركية بدا أن المصطلح الأقرب في هذه الادبيات هو "عدم الاستقرار البناء" (Constructive Instability) الذي نظر له روبرت ساتلوف في دراسته الصادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى، في شهر آذار الماضي، بعنوان "تقويم سياسة إدارة بوش القائمة على عدم الاستقرار البناء"، والمتوفرة على موقع المركز الإلكتروني، والملفت أن جوهر هذا المفهوم بحسب ساتلوف لم يكن يعني، تصريحا أو تلميحا، تفجير حروب أهلية، وإنما كان مضمونه مزيدا من مشاركة مواطني الشرق الأوسط في الحياة السياسية والاقتصادية لبلدانهم!

في تناولنا للولايات المتحدة الأميركية بشكل عام، يتوجب علينا أن نميز بين نوعين من الكتابات؛ الكتابات ذات الخطاب التعبوي، والتي يمكن الجزم بأنها النمط السائد في الادبيات العربية، والكتابات الأكاديمية القائمة على المعرفة الدقيقة للولايات المتحدة ومجتمعها وسياساتها. فجميعنا يعرف رامسفيلد، وبوش، وتشيني، وغيرهم، بكل ما يعنونه لنا من ألم وقهر وإحباط، لكن تُرى كم من مثقفينا وسياسيينا، قبل العامة، يعلم أن الولايات المتحدة بناها "المتطهرون" (Puritans) المتدينون الذين فروا من بريطانيا، ولم يبنها اللصوص وصائدو الجوائز وشذاذ الآفاق؟ وترى كم منا يعرف حجم الإسهام الفكري على صعيد بناء الدولة واحترام حقوق الإنسان، الذي قدمه الاباء المؤسسون لأميركا ذاتهم الذين أبادوا الهنود الحمر واستعبدوا الإنسان الإفريقي؟ وقبل ذلك، لماذا جدد الشعب الأميركي لرئيس ذهب به إلى حرب ملفقة غدت "مستنقعا"، كما أنه لم يحقق أي ازدهار اقتصادي، بل إن سياساته على هذا الصعيد لن تؤدي إلا إلى زيادة الأغنياء غنى والفقراء فقرا.. هل كان السبب هو القيم لدى مجتمع نظنه منحلا، أم هو التخويف من الإرهاب وعسكرة المجتمع الأميركي؟

التمييز بين الخطاب التعبوي والخطاب الاكاديمي الرصين يبدو شرطا اساسيا لتنويع وسائل المواجهة مع الولايات المتحدة. فإذا كان الخطاب التعبوي اساسيا في مرحلة مواجهة العدوان تحديدا، سواء من قبل الولايات المتحدة أو غيرها، فإن الخطاب الأكاديمي الرصين يبدو اساسيا في كل وقت، وهو الخطاب الوحيد الذي يمنحنا مساحة واسعة للمواجهة السياسية السلمية، ولو على شكل مفاوضات مع أعداء، وهي مواجهة قد نخوضها بمساعدة المجتمع الاميركي ذاته عندما نفهمه.

صحيح أن الاستشراق قام على ترسيخ صورة نمطية غير حقيقية عن العرب والمسلمين منذ عقود وربما قرون، لكن ذلك كان يصب في خدمة مصالح الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا، نهبا لخيراتنا وعدوانا علينا، أما فيما يتعلق بنظرتنا نحن إلى الولايات المتحدة فيبدو المدخل الفعلي إلى تحقيق مصالحنا متمثلا في معرفتها وفهمها كما هي.

والدعوة إلى فهم الولايات المتحدة ليست دعوة إلى الافتتنان بها، والذي هو في الواقع نتيجة عدم معرفتها وفهمها، بل الدافع إلى هذه الدعوة هو تحقيق مصالحنا الوطنية، وحتى لا تبقى رؤيتنا وفهمنا للولايات المتحدة، سلطة ومجتمعا على حد سواء، مطابقة تماما لرؤية وفهم العميان الثلاثة في القصة الشهيرة، الذين سقطوا على فيل، فكان أن كل واحد منهم أعطى، من موقعه، تقديره للشيء الذي سقطوا عليه، وبالتأكيد كان كل شيء باستثناء أنه فيل! فهذه الرؤية قد تفسر أكثر من اي شيء آخر سبب هزيمتنا المتواصلة على صعيد الصورة كما على الصعيد العسكري في مواجهة الولايات المتحدة، وفشلنا في إيصال الرسالة العادلة التي نحمل، ذلك أننا نخطئ الوسيلة كما نخطئ لغة الخطاب.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق