الحطب

تم نشره في السبت 24 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

"الحطب" ليس اسم مطعم فاخر يرتاده غير الفقراء ويستمتعون بالصاج وخبزه وبعض التراثيات، بل هو عنوان اقتراح تقدم به رئيس جمعية حماية المستهلك عبر شاشة التلفزيون الى الناس، كبديل من بدائل مواجهة ارتفاع اسعار الكاز والديزل والغاز. اردنيون من محافظة الشوبك تعاملوا مع الموضوع بجدية، وتمنوا على الحكومة منحهم، ومنح كل اردني يرغب في استعمال الحطب، ترخيصاً لتأمين حاجياتهم منه من اشجار الغابات. وربما يعتقد هؤلاء ان الحطب يمكن ان يوفر عليهم مصروف دفء الشتاء.

لكن هذه الاقتراحات من قبل "اهل عمان" على فقراء الاردن تأخذ طابعاً رومانسياً. فالحطب عند "المسعدين" هو احد اشكال الديكورات للبيوت والفلل والقصور، من خلال وضع بعض الحطب في مدفأة الحطب او (Fire place) في احدى الجلسات في الفلل، ليتعاطى الى جانبها الضيف او صاحب البيت الشاي او الارجيلة. لكن هذه الفكرة تحمل في طياتها امراً خطيراً. فهل من المعقول في عصر الوقود النووي والقرن الواحد والعشرين، ونحن نبشر الناس بالتكنولوجيا والكمبيوتر في القرى والبادية، ونقترض مئات الملايين لشبكة المعلومات والمناهج المحوسبة، هل من المعقول ان نقترح على الفقراء العودة الى الحطب، وان تذهب النساء الى التحطيب كل صباح للطبخ والتدفئة؟!

الحطب كان احد عناوين الفقر والحاجة، وعندما تطورت الامور واصبح في ايدي الناس دنانير او اصبحوا موظفين وعسكرا، ظهرت النعمة عليهم، فكانت "صوبة الكاز" و"صوبة البواري". ومع التطور، دخلت صوبات الغاز، ومن اعطاه الله، دخل عصر التدفئة المركزية. فهل اقتراح العودة الى الحطب معيار لاي شيء؟

وبغض النظر عن حسن النوايا، فهل ادى اهل عمان "المسعدين" دورهم تجاه المحافظات الاخرى وفقرائها، ولم يبق عليهم سوى العودة بالناس، عبر الاقتراحات، الى العصور القديمة ايام الامارة؟!

الحطب ليس الاقتراح الوحيد، فهناك فكرة الـ"سكوتر"، وربما تتطور مع الارتفاعات القادمة في الأسعار الى الـ"بسكليت" او الدراجة الهوائية، وربما العودة الى "الحنتور" ليتحول من وسيلة سياحية الى اقتراحات لغير القادرين على شراء الغاز والكاز!

لا يحتاج اصحاب الدخل المحدود الى اقتراحات "المسعدين" وابداعاتهم الفكرية، فهل من المعقول ان يذهب بعضنا الى الحطب بعد التنظير الاقتصادي وبرامج التصحيح وخطط التنمية وارقام النمو وبرامج الخصخصة، بينما اخرون حصلوا على بيوت وقصور وسيارات وارصدة؟!

الطبيعي ان يكون الحال في بداية القرن الواحد والعشرين مزيدا من الرفاهية، لا العودة بالناس الى عصر الحطب و"البنورة". وبالتالي، فإما ان يكون لدى اصحاب القرار و"المسعدين" في عمان جهد حقيقي لتطوير حياة الناس، ومحاولة الوصول بهم الى بعض اشكال الرفاهية، او على الأقل التوقف عن اقتراحات ليست عملية ودلالاتها ليست ايجابية. وإذا كانت هناك ازمة ومشكلة، فليكن الحطب في المؤسسات الرسمية قبل ان يكون في بيوت الفقراء.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق