الفشل الفلسطيني في غزة

تم نشره في الأحد 18 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

 ما يمكن قوله بعد الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة أن الجانب الفلسطيني فشل في الامتحان. وكان لدى أرييل شارون من الخبث ما جعله يواجه هذا الامتحان وينفذ الانسحاب بغية تحقيق مآرب أخرى في مقدمها القول للرئيس بوش الابن انه قدم كل ما يسستطيع تقديمه وأن الحق في النهاية على الجانب الفلسطيني الذي لا يبدو قادراً على أن يكون شريكا في العملية السلمية.

  ما يسعى اليه شارون هو اقناع الإدارة الأميركية بأن لا وجود لشريك فلسطيني. ولذلك لا يوجد هناك ما يستدعي أن تقدم إسرائيل أي نوع من التنازلات الجديدة من أجل معاودة العملية السلمية، أقله في المدى المنظور. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، لا بد من الانتظار طويلا قبل العثور على شريك في الجانب الآخر. وهذا يتيح في طبيعة الحال خلق أمر واقع جديد على الأرض يتمثل في استكمال بناء "الجدار الأمني" الذي يؤمّن لإسرائيل تكريس احتلالها لجزء من الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف الذي يفترض أن يكون عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة "القابلة للحياة" على حد تعبير الرئيس الأميركي نفسه.

  اين سقط الفلسطينيون في الامتحان؟ ذلك هو السؤال المباشر الذي لا بد من مواجهته وليس الهروب منه تفاديا للتعاطي المباشر مع الحقيقة ولا شيء آخر غير الحقيقة. نعم، سقط الفلسطينيون في الامتحان عندما اجتاحوا المناطق التي كانت فيها مستعمرات إسرائيلية. كان مبررا في طبيعة الحال القبول بنسف المنازل التي انشأها الاسرائيليون نظرا إلى أنها كانت من طبقة او طبقتين. وفي منطقة مثل غزة حيث الكثافة السكانية العالية، ثمة حاجة الى أبنية مرتفعة بغية توفير اكبر عدد من الشقق السكنية للعائلات الفلسطينية التي عانت كثيراً كما عانت طويلا من الاحتلال. ولكن ما لا يمكن تبريره في مقابل ذلك هو تلك الفوضى التي عمت المناطق التي انسحب منها الاسرائيليون، خصوصاً المستعمرات، والإصرار على تدمير الكنس اليهودية، بدلا من تحويلها الى مدارس أو مستوصفات أو مراكز للخدمات الاجتماعية، وعلى إحراق الخيام الزراعية الخاصة - التي كانت تستخدم في إنتاج الفواكه والخضراوات- وكان من الممكن أن تؤمن فرص عمل لنحو عشرة الاف فلسطيني لو أمكن المحافظة عليها.

   لم يكن هناك أي تصرف مدروس من الجانب الفلسطيني كما لو أن المطلوب السقوط في الفخ الاسرائيلي لا أكثر ولا اقل. وقد تبين أن ليس في استطاعة الفلسطينيين حتى التنسيق مع مصر التي أرسلت قوات من حرس الحدود للسيطرة على خط الحدود الفاصل بين غزة والأراضي المصرية. اكثر من ذلك، اخترق فلسطينيون الحدود في اتجاه الأراضي المصرية بالمئات. وادّعت اسرائيل أنّ هؤلاء ذهبوا إلى الأراضي المصرية لاستخراج أسلحة ومتفجرات مخبأة في أماكن صحراوية. قد يكون ذلك صحيحا وربما لا يكون، لكن الضرر الذي كان مطلوبا تفاديه، حصل ونالت مصر - التي استطاعت تعديل أحد بنود معاهدة السلام مع اسرائيل كي تتمكن من إرسال مزيد من رجال حرس الحدود الى الحدود مع غزة- نصيبها من هذا الضرر.

   باختصار شديد، كانت الغلبة لفوضى السلاح التي شجعت عليها إسرائيل وسهّلت حصولها. هذه فوضى لا تبني دولة بل تخدم المشروع الاستعماري الإسرائيلي. نعم، هذا هو الوضع الفلسطيني بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وهو انسحاب لا يستطيع العقلاء العرب تجاهله والتصرف كما لو أنّه لم يحصل. لذلك وجد عدد من المسؤولين العرب الذين يمتلكون قدرة معينة على استيعاب المتغيرات الدولية والأقليمية، أن لا بد في هذه الأيام من أخذ ورد مع المسؤولين الإسرائيليين على هامش دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لعلّ ذلك يصب بطريقة أو بأخرى في المصلحة الفلسطينية.

  ما يمكن قوله أنّ اسرائيل انسحبت من غزة في وقت كان مطلوباً منها أميركياً وأوروبياً الإقدام على هذه الخطوة، في حين لم يستطع الجانب الفلسطيني إرسال رسالة الى العالم فحواها أن الانسحاب من غزة خطوة على طريق اقامة دولة فلسطينية حضارية قادرة على المساهمة في توفير الاستقرار في المنطقة. كل ما استطاع الفلسطينيون عمله للأسف الشديد هو القول للعالم أنّهم غير قادرين على الالتفاف حول المشروع السياسي الواقعي الوحيد الذي تجسده السلطة الوطنية التي يترأسها محمود عباس (ابو مازن). وقد أضطر "ابو مازن" يوم الأربعاء الماضي الى التغيّب عن مهرجان للاحتفال بالانسحاب الاسرائيلي بسبب فوضى السلاح. واقيم الاحتفال على أنقاض مستعمرة نفيه ديكاليم  أكبر التجمعات السكانية فيما سمّي بالتجمع الاستيطاني في غوش قطيف. في نهاية الاحتفال الذي تغيّب عنه الرئيس الفلسطيني، أطلقت النار في الهواء كما انتزع مقاتل من ""حماس" الميكروفون من مغن فلسطيني اراد المشاركة في افراح جلاء الاحتلال.

  كانت الرسالة واضحة كل الوضوح: ممنوع الغناء في فلسطين، ومسموح إطلاق النار في الهواء، أي أن لا مكان لكل ما هو حضاري في فلسطين، لا مكان سوى لفوضى السلاح. هل من خدمة أكبر من هذه الخدمة تقدم للمشروع الاستعماري الاسرائيلي؟ هل من خدمة أكبر من هذه الخدمة تقدم لأرييل شارون الساعي الى الظهور في مظهر" رجل السلام" في حين أن هدفه ابتلاع مزيد من الأرض الفلسطينية؟

  آن اوان تسمية الأشياء بأسمائها. وفي طليعة ما لا بد من قوله، أنّ ما جرى بعد الانسحاب الاسرائيلي من غزة، بغض النظر عن الظروف التي أملت مثل هذا الانسحاب، لا يساعد في تحقيق الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني. إنه بكل بساطة وصراحة فشل كامل لا بد من البحث عن طريقة لتجاوزه. والبداية تكون بالانتهاء من فوضى السلاح، وإلاّ لن تكون هناك بداية، بل يكون هناك فشل آخر لا اكثر ولا اقل!   

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق