بقاء الكنس اليهودية قنبلة موقوتة

تم نشره في الاثنين 12 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

  من المتوقع ان تتخذ حكومة الاحتلال الاسرائيلية واحدا من أخطر القرارات الاستيطانية في السنوات الأخيرة، وذلك بإبقائها الكنس اليهودية في قطاع غزة على حالها وعدم هدمها، رغم رحيل آخر جنودها عن القطاع، إنما لتفرض حصارا خانقا عليه من البر والبحر والجو.

    وتتمثل الذريعة الاساس لحكومة شارون-بيرس من وراء قرارها في مزاعم "المشاعر الدينية" , هذه المشاعر التي ظهرت فجأة، على الرغم من ان هذه الحكومة نفسها، وبتركيبة أكثر تطرفا قبل 15 شهرا، قررت هدم جميع المباني في المستوطنات، بما في ذلك الكنس، وكررت هذا القرار مرارا في الاشهر الأخيرة. ومن ثم، فإن الحقيقة من وراء هذا القرار هي أخطر بكثير من "مشاعر دينية" لدى المستوطنين، والهدف منه هو خنق الفلسطينيين بمبان تذكّرهم، على مدار الساعة والأيام، بسطوة المحتل، ووضعهم في"امتحان شرس" ليس فيه من العدالة شيء.

    في الايام الأخيرة، وبعد جدل في اوساط اليمين في اسرائيل حول هذه الكنس، تولّدت فكرة لدى كبار ساسة اسرائيل بجعل هذه الكنس كـ"مسمار جحا"، ولتتحول الى منطرة احتلالية، تتبعها مطالب بفتح طرق إليها، وتنظيم "رحلات ذاكرة"، كما هو الحال في مدينة اريحا حاليا، او في بيت لحم، او في قبر يوسف في قلب نابلس، وغيرها من الأمثلة.

كذلك، فإن حكومة الاحتلال تريد من هذه الكنس، التي بنيت عنوة إبان احتلال اراضي الفلسطينيين، ان تكون في موازاة المساجد والكنائس المنتشرة في سائر انحاء فلسطين التاريخية، في القرى الفلسطينية المدمّرة او في المدن العربية التي تحولت الى يهودية بعد طرد اهلها، وهي المساجد والكنائس التي بنيت على اراضي شعبها، ومنها ما هو قائم منذ مئات السنين، وتمنع السلطات الاسرائيلية الاقتراب منها أو قامت بتحويل بعضها الى مراع وأوكار مخدرات وملتقى المجرمين! ووصل الأمر الى حد تحويل بعضها الى بارات، كما جرى في الماضي في أحد مساجد مدينة طبريا، الذي تم تحويله الى "خمّارة" باسم "بار المسجد"، لكن سرعان ما تم اخلاؤه امام الهبة الشعبية، وهو اليوم محاط بأبنية ويحظر الدخول اليه.

   ونقرأ هذا التحدي الاسرائيلي في تصريحات وزير الخارجية، سلفان شالوم، الذي قال: "آمل الا تسمح السلطة الفلسطينية للبربرية الفلسطينية بالسيطرة على هذه الكنس، وإلا فسيرى العالم مع من نحن نتعامل". كما ان حاخام مستوطنات غوش قطيف الزائلة في قطاع غزة يقول في تصريحاته لوسائل الاعلام، أمس الأحد: إن هذه الكنس بالنسبة لنا "كحائط المبكى في القدس"، ويقصد حائط البراق الذي يزعم اليهود انه الجدار الخارجي الباقي من هيكل سليمان، وفي هذا التصريح مؤشر الى أي حد ستصل مكانة هذه الكنس عند المتطرفين اليهود.

   من الصعب توقع كيف سيتعامل الفلسطينيون مع هذه الأبنية، التي لم يُبق منها جنود الاحتلال سوى جدرانها الخارجية؟ فهي ولا شك ستكون ابنية استفزازية، خاصة حينما نرى كنيس مستوطنة نافيه ديكاليم، الذي بني على شكل النجمة السداسية التي تشكل رمزا من رموز اسرائيل.

   ومن الصعب التوقع الى اين سيصل حد الغضب الفلسطيني الذي سيتفجر على ضوء 38 سنة من الاحتلال، لكن الخوف من ان كل عمل فلسطيني ستعتبره اسرائيل الرسمية، كما اوساط اليمين المتطرف، بمثابة "مبرر" للاعتداء على مساجد وكنائس فلسطين التاريخية، وقد حصل مثل هذا في الكثير من الاحيان. ففي الشهر الماضي، تم الاعتداء على حرمة مسجد اللد، بنثر صور نساء عاريات في داخله، وإلقاء رأس خنزير على مسجد حسن بيك في يافا. وقبل خمس سنين، تعرض مسجد الشاطئ في مدينة طبريا لمحاولة هدم، على خلفية خطف ثلاثة جنود على يد حزب الله، كما تعرضت كنيسة الروم الارثوذكس في طبريا قبل عدة سنوات الى محاولة تفجير بعد وضع عبوات ناسفة عند مبنى الجرس... وغير ذلك من الامثلة.

   وهكذا، يمكن لنا تخيل سيناريو غضب فلسطيني على هذه المباني الاستفزازية يقابله عدوان فاشي على دور عبادة فلسطينية تاريخية. مع التأكيد هنا على انه لا تجوز مقارنة كنس المستوطنات بباقي المساجد والكنائس في فلسطين؛ فهناك الكثير من الكنس في داخل مناطق عربية لم تتعرض الى أي مس طوال مئات السنين، وبقيت على حالها، كما ان مثل هذه الكنس محافظ عليها في عدد كبير من الدول العربية ولا يقترب منها أحد.

    في الحقيقة لا يمكن تجاهل مقالات الانتقاد الحاد لخطوة الحكومة الاسرائيلية في الصحف المركزية الثلاث في اسرائيل، والتي "استغربت" هذا القرار. فقد وصل الأمر الى حد ان المحلل السياسي لصحيفة معاريف، بن كسفيت، المعروف بتوجهاته اليمينية، هاجم القرار وتقلّب موقف الحكومة، وقال:"لا أحد سيستفيد من القرار لا الفلسطينيين ولا اسرائيل". أما المحلل السياسي في صحيفة يديعوت احرنوت، شمعون شيفر، فقد اعتبر ان التقلب في موقف وزراء الليكود ناجم عن ضغط اعضاء في اللجنة المركزية للحزب عليهم، ومن اجل تحسين وضعيتهم فيه. لكن تأييد القرار بالإبقاء على الكنس لم يتوقف عند الليكود، بل امتد ايضا إلى وزراء في حزب العمل، مثل بنيامين بن اليعيزر وداليا ايتسيك وشالوم سمحون، الذين ايدوا القرار.

   وربما ان صحيفة "هآرتس"، ذات الميول اليسارية، قد اصابت كبد الحقيقة إلى حد ما حين قالت في افتتاحيتها امس: "إن أي مس فلسطيني بهذه الكنس سيتحول الى حرب اديان بين اليهود والمسلمين"، على حد تعبيرها. لكن يبدو أن هذا ما تسعى اليه حكومة الاحتلال، التي خرجت من داخل قطاع غزة لتخنقه وتقضي على ما تبقى من الضفة الغربية.

صحافي فلسطيني وكاتب سياسي مقيم في الناصرة

[email protected]

التعليق