إبراهيم غرايبة

الأردنيون والديمقراطية

تم نشره في الاثنين 12 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

  يقدم الاستطلاع السنوي حول الديمقراطية في الأردن، والذي يجريه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، مؤشرات مهمة للسياسة العامة والإصلاح والتنمية، لكنه ليس مقياسا للديمقراطية كما يتبادر إلى الذهن! واشتغال المحللين والمعلقين بتقييم الديمقراطية في الأردن، تقدما أو تراجعا، ثم تحليل الأسباب والنتائج، هو شغل في غير موضعه، يشبه قياس المسافات بميزان الحرارة. فالديمقراطية مثل درجة الحرارة، كما الفقر أو النمو الاقتصادي أو الميزان التجاري وغيرها من المسائل التي تقاس بمقاييس علمية محددة ومنضبطة. فالحرارة تقاس بمقياس محدد لا يغير فيها رأي الناس، فلا يقال مثلا إن الطقس اليوم بالغ البرودة لأن أغلبية المواطنين أجابت في استطلاع للرأي أن الطقس اليوم بارد، برغم أن درجة الحرارة كما يقرأها الميزان المعد لذلك تساوي 32 درجة مئوية! لكن اعتقاد أغلب المواطنين أن الطقس بارد، برغم أن درجة الحرارة تجاوزت الثلاثين، يشكل قضية تحتاج للتحليل والدراسة: لماذا يعتقدون أن الطقس بارد؟

   وهكذا، فإن الاستطلاع يقيس اتجاهات المواطنين نحو الديمقراطية ولا يقيس الديمقراطية نفسها. ومن ثم، فإن التحليل والدراسة يجب أن  تتجه نحو تفسير مواقف الأردنيين ورأيهم في مسائل وقضايا يفترض أنها جرى قياسها وتحديدها بمعالجات علمية أخرى، ويكون الفرق بين رأي المواطنين وبين المقياس العلمي المخبري هو موضع الدراسة والتحليل.

وبما أنه ليس لدينا، حتى الآن فيما أعلم، مقياس علمي مخبري للديمقراطية في الأردن، فإن كثيرا من نتائج الاستطلاع سيكون معلقا ولا يصلح للدراسة والتفسير، لكنها تقدم مؤشرات أخرى مهمة ليست متعلقة بقياس الديمقراطية، ولكن بتفسير وفهم ظواهر اجتماعية وسياسية.

   لماذا يعتقد أغلب الأردنيين أن الديمقراطية في الأردن في مستوى جيد ويتحسن، وفي الوقت نفسه يعتقد أغلبهم أنهم يخافون من انتقاد الحكومة ومعارضتها؟

لماذا تخاف الفئات الأقل دخلا والأقل تعليما من معارضة الحكومة، ويكون الخوف من المعارضة أقل لدى الفئات الأكثر دخلا والأكثر تعليما، كما ظهر في ربط الإجابات بمستوى التعليم والدخل؟

لماذا لا يثق أغلب المواطنين بالأحزاب السياسية، ولماذا تتراجع هذه الثقة سنة بعد سنة؟

هل هناك فرق بين تطلعات المواطنين وأولوياتهم وأولويات الحرية والديمقرطية؟ بمعنى، هل الديمقراطية التي يتطلع إليها المواطنون هي حرية التظاهر والاعتصام والانتساب إلى الأحزاب والرأي(السياسي)، أم أنها إدارة وتنمية خياراتهم في الاحتياجات الأساسية: العدل والأمن والصحة والغذاء والسكن والتعليم واللباس والانتماء والمشاركة؟

    إن الخوف والجرأة لدى المجتمعات، والسعي إلى تحصيل حقوقها والحصول على العدالة والحرية، لا ترتبط بالضرورة بالديمقراطية، والأصح أن يقال إن الديمقراطية والحرية تتحقق بنضال المجتمعات وتحركها نحو حقوقها واحتياجاتها. والأحداث الجارية، والتي حدثت في مناطق كثيرة في العالم وآخرها في مصر ولبنان، تؤكد أن التحول نحو الإصلاح والديمقراطية يقوم على طبقات وسطى واسعة وممتدة، ومدن حقيقية، وتحضر راسخ، وحراك اقتصادي وتجاري شبكي ومجتمعي وليس نخبويا معزولا، وهو ما ظهر في الاستطلاع أيضا، فالفقراء وغير المتعلمين يشعرون بالخوف وعدم الأمان حتى في الدول الديمقراطية والغنية.

    ومن ثم، فإن أفضل وصفة للاستبداد هي زيادة مساحات ونسب الفقر والجهل مع أفضل التشريعات والانتخابات الديمقراطية والحريات الإعلامية والسياسية! أما أفضل طريقة للإصلاح(ولعلها الوحيدة) فهي النمو الاقتصادي والتعليمي الذي يطال المجتمع كله وليس أقلية من النخب، وهو ما يعني بالضرورة مجتمعات فاعلة وقادرة على إدارة اقتصادها وإنتاجها الرئيس واحتياجاتها الأساسية، أو المجتمعات المدنية الحقيقية المشغولة بقضاياها الأساسية وليس المنظمات الأنيقة التي لا يسمع عنها المجتمع، ولعل هذه النتيجة في الاستطلاع أهم بكثير من الجدل حول تقدم أو تراجع الديمقراطية. 

[email protected]

التعليق