الأحداث تكرر نفسها في المنطقة

تم نشره في السبت 3 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

 أوجه الشبه كثيرة بين ما جرى في لبنان صيف العام 2000 وما جرى في غزّة قبل أسبوعين. وثمّة شبه آخر بين المناخ السياسي الذي خلقته الدعاية المُغرضة بعد وفاة الرئيس عرفات في تشرين الثاني من العام الماضي، وبين المناخ السياسي الذي خلقته ذات الدعاية بعد الانسحاب من غزّة.

    في لبنان، وصلت إسرائيل إلى نتيجة واضحة العام 2000، بأن استمرار احتلالها لما كان يسمّى بـ"الشريط الحدودي" لم يعد حلاًّ لمشكلاتها الأمنية، بقدر ما أصبح عبئاً أمنياً عليها، ومصدراً رئيساً من مصادر الخطر الذي يتهددها. وعندما قرّرت أنه لم يعد أمامها من وسيلة سوى الانسحاب، خشيت أن يفسَّر ذلك على أنه هزيمة أمام المقاومة، فلجأت إلى القرار 425 الذي كانت ترفضه وترفض تنفيذه على مدى ما يزيد على عشرين سنة!

     المهم أن إسرائيل انسحبت أخيراً من لبنان بطريقة مهينة، ولم تتمكن حتى من سحب معداتها، كما لم تتمكن من إخفاء الحقيقة المتمثلة في أن المقاومة حققت الانسحاب. عندئذٍ تحوّل التركيز إلى تجريد حزب الله من سلاحه، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على الحدود، وذلك للحيلولة دون بقاء حزب الله مسيطراً على المنطقة المحرّرة، ومن ثمّ تحويلها إلى أرض مستباحة للتربية على "العنف". لكن ذلك لم يتحقق لأسباب كثيرة، ولا تزال قضية سلاح حزب الله التي وردت في قرار مجلس الأمن رقم 1559 قائمة. وقد يكون الحل في اندماج الحزب في النظام السياسي اللبناني، كما هو جارٍ بالتدريج الآن.

     أما في غزّة، فقد وصلت إسرائيل إلى قناعة بأن حماية أقل من ثمانية آلاف مستوطن متطرف ومتعصّب وعدواني السلوك والنزعة، بين مليون وثلث المليون من العرب المظلومين لم تعد أمراً ممكناً، فقررت سحب مستوطنيها، مع الحرص على ألا يبدو الانسحاب(الذي فضّلت إسرائيل أن تسميه عملية فك ارتباط) هزيمة أمام المقاومة.

      وكما كان الحال في جنوب لبنان، تكرّر الامر في غزّة: فبعد الانسحاب، تحوّل التركيز الإسرائيلي إلى ثلاثة محاور: الأول، وهو ليس بالمطلب الجديد، يتعلق بالإصرار على نزع سلاح "حماس" والمقاومة؛ والثاني، يتعلق ببسط سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية على غزّة، حتى لا تتحول إلى أرض لحماس، "وبؤرة للتربية على الإرهاب" كما تخشى إسرائيل؛ أما المحور الثالث، فيتعلق باستمرار السيطرة الإسرائيلية على حدود غزّة، البرية والبحرية والجوية، لضمان معالجة مخاوف إسرائيل الأمنية ومصالحها المادية المتعلقة بالموارد وبمشاريع التوسع المستقبلية.

إذا أُجبرت إسرائيل على إخلاء غزّة من الداخل، فيما واصلت احتلالها من الخارج، فإن تلك ستكون الوصفة لاستمرار العنف وتأجيج الصراع، ولتحويل غزّة فعلاً إلى أرض ملتهبة.

    البديل، وكما هو درس لبنان، أن يتم دمج كل الفصائل الفلسطينية في العملية الديمقراطية الشفافة والصحيحة، والتي نأمل في أن تنجح في بناء إدارة جديدة ونزيهة في غزّة، تغدو نموذجاً مقنعاً لما يمكن أن يتحقق عندما يزول الاحتلال، وبحيث يصبح هذا النموذج صالحاً للمطالبة بتكراره في الضفة الغربية المحتلّة.

     أما الشبه الآخر، ونعني المناخ السياسي، فيتعلق بالوهم الذي روّجته الدعاية المغرضة بأن السلام قد صار على الأبواب بعد رحيل الرئيس عرفات، انطلاقاً من مقولة واهمة فحواها أن الرئيس الراحل هو الذي كان العقبة في طريق السلام. لكن لم يطل الوقت قبل أن تسقط هذه الخرافة.

      والحقيقة أن مشروع فك الارتباط عن غزّة قفز بالمزاج السياسي إلى أمل جديد، وهو ما سيعقب الانسحاب، وربط الانسحاب بخارطة الطريق، بالرغم من إعلان شارون وكبار مستشاريه أن مشروع غزّة يهدف إلى إنهاء عملية السلام، وإنهاء خارطة الطريق، وقطع السبل أمام قيام دولة فلسطينية. وهو ما ينفذه شارون فعلاً على الأرض، قولاً وعملاً.

الذين يصرّون على أن الانسحاب من غزّة يفتح نافذة أمل جديدة للسلام لم يقولوا لنا أين هي نافذة الأمل التي فتحها رحيل الرئيس عرفات؟! ولم يقولوا لنا لماذا لم يتحقق السلام بعد رحيل عرفات، إذا كان الرجل هو العقبة التي حالت دون تحقيقه؟!

       على المدى القريب، لن يغيّر الانسحاب من غزّة أي شيء. فغزّة التي سُحب المستوطنون منها ستظلّ محتلّة. أما على المدى البعيد، فإن حتمية التاريخ التي فرضت نفسها في لبنان وفي غزّة هي التي ستفرض نفسها في بقية الأراضي المحتلة. ولن يكون الفضل في ذلك لخارطة الطريق، ولا لعملية السلام الميتة، ولا لمن يروجون ذلك!

سفير الاردن الاسبق في الأمم المتحدة

التعليق