هل تكسب إفريقيا جنوب الصحراء مع ما تحققه الصين من مكاسب؟

تم نشره في الخميس 1 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

    لاقت الصين وإفريقيا جنوب الصحراء اهتماماً دولياً متنامياً في السنوات الأخيرة، لكن اختلفت أسباب الاهتمام بكل من الكيانين إلى حد هائل. فالصين، باعتبارها قوة صاعدة سريعة التحديث -والتي تتمتع بالفعل بعضوية مجلس الأمن الدولي- قد أصبحت الآن على مقربة شديدة من نيل عضوية "الثمانية الكبار"، والاضطلاع بدور قوي في منظمة التجارة العالمية.

    وعلى النقيض من هذا، فإن إفريقيا جنوب الصحراء تكتنفها المشاكل، ذلك أن وضعها بالنسبة للاقتصاد العالمي يعد هامشياً؛ إذ تحصل على قدر ضئيل للغاية من تدفق الاستثمارات العالمية، وتعتمد على أسواق الشمال في الصادرات من سلعها، وخيارات التعرفة الجمركية، والمساعدات المالية. ونستطيع أن نعتبر دولة جنوب إفريقيا استثناءً واضحاً، فهي تمثل أفضل التوقعات لدفع التكامل الاقتصادي على المستوى الإقليمي، لكنها أيضاً تعاني من مشاكل اجتماعية مزمنة، ونمو اقتصادي ضعيف مقارنة بدول شرق آسيا.

    لكن، ما هي المعاني الضمنية التي يمثلها بروز الصين على الساحة العالمية بالنسبة لإفريقيا جنوب الصحراء؟ هل تستطيع الصين أن تساعد في انتشال أفقر مناطق العالم من الوعكة الاقتصادية والسياسية الشديدة التي تعاني منها؟

    من الناحية النظرية، فإن النمو السريع الذي تحققه الصين -إذا استمر- يقدم لإفريقيا جنوب الصحراء، على الأقل، فرصة اقتصادية واعدة، من خلال دعم أسعار السلع، وبالتالي تعزيز الظروف التجارية للمنطقة. وهذا من شأنه أن يؤدي بالتالي إلى دعم ميزان المدفوعات الهش في المنطقة بالكامل، والمساعدة في حل مشاكل تسديد الديون المتفشية في المنطقة.

وفي جنوب إفريقيا على سبيل المثال، وعلى الرغم من تسبب الواردات من المصنوعات الصينية الرخيصة في إيجاد عجز تجاري ثنائي ضخم ومتزايد على مدار العقد الأخير، إلا أن إفريقيا جنوب الصحراء ككل تستطيع أن تحقق المكاسب من "مجموعة المعادن الخام". وذلك لأن الازدهار الصناعي الذي تشهده الصين يعتمد على استيراد المعادن الخام، مثل خامات الحديد والكروم، التي تتوفر بغزارة في المنطقة. وهذا يعني زيادة صادرات المعادن إلى الصين، علاوة على نمو الاستثمارات الصينية في المنطقة لتأمين موارد الإمدادات.

    ومن الضروري أيضاً أن تستمر واردات الصين من المنتجات الزراعية في التزايد، مع استقطاع الأراضي الزراعية في الصين وتخصيصها للأغراض الصناعية، ومع تزايد السكان في المناطق الحضرية. إذ تستطيع إفريقيا جنوب الصحراء أن تصدر السلع الزراعية إلى الصين. ومع أن زيادة القدرة التصديرية تتوقف كثيراً على إنشاء استثمارات إقليمية أكثر ضخامة، إلا أن المزيد من الاستثمارات الصينية في المنطقة قادم لا محالة.

    وفي النهاية، فإن جنوب إفريقيا، تستطيع من خلال قطاعها المصرفي المتميز على مستوى العالم، وشركات الإنشاء ذات القدرة التنافسية على المستوى الدولي، أن تقدم الخدمات إلى السوق الصينية. وعلاوة على هذا، فمن المنتظر أن تستفيد هذه الخدمات من التوسع التجاري مع الصين، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى إيجاد حلقة لا تنتهي من الاستثمار والصادرات.

     لكن صعود الصين يتضمن المخاطر أيضاً بالنسبة لإفريقيا جنوب الصحراء. فالواردات من السلع الصينية الرخيصة تهدد بالحلول محل الإنتاج الإقليمي، وعلى الأخص في القطاعات الصناعية التي تتطلب أعداداً كبيرة من العمالة والتي تجد صعوبة كبيرة في الاستمرار في المنافسة. وفي منطقة تسودها البطالة، فإن المسألة الرئيسة هنا ستتركز حول كيفية ضمان نمو فرص العمل والتوظيف في المستقبل.

    وهذا بدوره يثير أسئلة مزعجة بشأن المسار الصناعي للمنطقة. والحقيقة أن المخاوف تتعاظم بشأن اقتصار إفريقيا جنوب الصحراء على الاضطلاع بدور المصدر للمواد الخام. وتعمل العناصر التي تتألف منها صادرات جنوب إفريقيا إلى الصين على تعزيز هذه المخاوف. ففي العام 1993، كان ما يوازي50% من مجموع صادرات جنوب إفريقيا إلى الصين يتألف من سلع صناعية متطورة، بينما كانت المواد الخام والسلع الوسيطة تشكل بقية الصادرات. وبحلول العام 2003، هبطت نسبة المصنوعات المتطورة إلى 8% فقط من مجموع الصادرات، بينما شكلت المنتجات الوسيطة والمواد الخام النسبة الباقية.

    ويأتي هذا التحول الخطير على الرغم من حماية جنوب إفريقيا لقطاعاتها الإنتاجية التي تتطلب أعداداً كبيرة من العمالة، مثل صناعات الملابس والنسيج، من خلال فرض التعرفات الجمركية المرتفعة. ومع تقدم مفاوضات منظمة التجارة العالمية، ومع ترسيخ أجندة التجارة الحرة المتزايدة الاتساع، فقد باتت هذه التعرفات معرضة لضغوط شديدة. ومما يزيد الطين بلة أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سوف يخفضان بالتدريج حصتهما النسبية من الملابس في العام القادم، مما قد يؤدي إلى تخفيض الآمال فيما يتصل بالحصة النسبية للاستثمارات في جنوب إفريقيا والمنطقة ككل.

    وإذا كان التأثير الاقتصادي لتزايد أهمية الصين على المستوى العالمي واعداً بالنسبة لإفريقيا جنوب الصحراء، ولكنه غير مؤكد، فماذا عن العوامل الضمنية المتصلة بالجغرافيا السياسية؟ هل يفتح صعود الصين الباب أمام المزيد من فرص التعاون المتعدد الجوانب؟

    في كل أنحاء إفريقيا جنوب الصحراء، ما زال الاستياء المرتبط بالاستعمار القديم يغذي انعدام الثقة في القوى الغربية الكبرى، والتي ما زالت تسيطر على المؤسسات الرئيسة التي تحدد مستقبل المنطقة إلى حد كبير، ومن أهمها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ومع أن الصين ليست بصدد الهيمنة على هذه المؤسسات، إلا أن إفريقيا جنوب الصحراء تنظر إلى الصين باعتبارها ثقلاً موازناً محتملاً للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومع اهتمام الصين المتنامي بضمان الأصوات الإفريقية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإن فرص التعاون ما زالت موجودة.

    ومن ناحية أخرى، فإن أزمة دارفور، التي بادرت أثناءها الصين إلى تأييد الخرطوم، قد شكلت نقطة تحقق من مصداقية الطرفين، وكشفت بوضوح عن حدود التعاون بينهما. كما كشفت عن الجانب القاتم للتورط المتزايد للصين في إفريقيا، أو فضحت بالتحديد أن ظمأها إلى النفط يفوق اهتمامها بالاعتبارات الإنسانية.

    وعلاوة على هذا، فإن التوترات التجارية قد تؤدي إلى إضعاف الروابط السياسية. وعلى وجه الدقة، فإن عضوية الصين في منظمة "العشرون الكبار"، واهتمامها القوي بتأمين وصولها على نحو أقوى إلى أسواق الدول النامية، يواجه ارتباط إفريقيا جنوب الصحراء بتحالف "التسعون الكبار"، الذي يسعي إلى وضع العقبات أمام تقدم أنشطة منظمة التجارة العالمية.

    وتحقيقاً للتوازن، فإن إفريقيا جنوب الصحراء تستطيع بوضوح أن تستفيد اقتصادياً من صعود نجم الصين كقوة عالمية، لكن إقرار كل من الطرفين بالالتزام بالروابط الأخوية لن يكون كافياً لدعم وتعزيز العلاقات السياسية بينهما في المستقبل.

بيتر درابر زميل البحوث التجارية في معهد جنوب إفريقيا للشؤون الدولية: [email protected]

خاص بـ"الغد". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت.

ترجمة: إبراهيم محمد علي

التعليق