ياسر أبو هلالة

مسودة دستورالعراق: وثيقة الحرب الأهلية

تم نشره في الخميس 1 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

لم أجد فارقا كبيرا بين الدور الذي يلعبه هذه الأيام السفير الأميركي في العراق، زلماي خليل زاد، في صياغة الدستور، وبين الدور الذي كان يلعبه ايام كان "مبعوثا" في أنقرة لدى المعارضة العراقية الحاكمة اليوم. في فندق شيراتون أنقرة، كان عبدالعزيز الحكيم وجلال الطالباني وأحمد الجلبي وهوشيار زيباري.. وزلماي خليل زاد يلتقون ثنائيا وجماعيا، وصولا إلى الاجتماع في فندق حكومي أمام عدسات الإعلام. في ذلك الإعلان نص على الفيدرالية التي كان المضيف التركي أكثر المتخوفين منها.

انتقل زلماي خليل زاد من شيراتون أنقرة إلى المنطقة الخضراء، وانتقل قادة المعارضة   إلى الحكم، وانتقلت ألغام إعلان أنقرة إلى الدستور.

فالدور الأميركي الحاسم قبل الحرب استمر، وبوتيرة أعلى بعدها. وبدلا من أن تفسح الولايات المتحدة مجالا للأمم المتحدة و"القوى المغيبة"، وبروح شفافة ومسؤولية، مارست الصفقات ذاتها التي كانت تعقد في انقرة؛ استرضاءات وتوفيقات تلبي رغبات القوى الرئيسة، ولو كانت متناقضة. لك أن تتخيل تناقضات الفقرة الآتية، التي صيغت بشكل يرضي الأحزاب العلمانية الكردية والدينية الشيعية:

"أ- لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.

ب- لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.

ج- لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور.

ثانياً: يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين والايزديين والصابئة المندائيين".

مثلا، كيف يمكن سن قانون يمنع القمار وثمة رغبة لدى بعض الأكراد في إقامة كازينو كما كان في فنادق بغداد قبيل الحصار؟

الأهم من ذلك هوية الدولة. فقد شطبت العروبة، وعومل العرب بوصفهم أقلية في بلادهم، ولم يقل أن العراق جزء من الأمة العربية، وكأنه جزء من الاتحاد الأوروبي! وكأن العروبة نقيض هويات الأقليات من أكراد وغيرهم؛ وجاء النص "العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الاسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية"!

واستكمالا لإقصاء العرب السنة، جاءت الفقرة المفصلة لهم بخصوص اجتثاث البعث:

"اولاً: يحظر كل كيان او نهج يتبنى العنصرية او الارهاب او التكفير او التطهير الطائفي، او يحرض او يمهد او يمجد او يروج او يبرر له، وبخاصة البعث الصدّامي في العراق ورموزه، وتحت اي مسمى كان، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون.

ثانياً: تلتزم الدولة بمحاربة الارهاب بجميع اشكاله، وتعمل على حماية اراضيها من ان تكون مقراً أو ممراً أو ساحة لنشاطه".

طبعا، وعلى مدى العامين الماضيين، تبين أن البعثي هو السني، في حين أن الشيعي، لا بل الكردي، كان مضطرا لدخول البعث، وتم استيعاب غير السنة في دوائر الدولة، وكأن الشيعة لم يكونوا يشكلون ستين في المائة من منتسبي الحزب! طبعا يمكن استهداف الكيانات السنية، مثل هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي، باعتبارها "تحرض" على الإرهاب.

باختصار، الدستور شكل إطارا ناظما لحرب أهلية بدأت قبل أن يصوت على الدستور، وإلا كيف يمكن تفسير تواطؤ الشرطة العراقية، أو مشاركتها في اختطاف وقتل 35 من السُنة في منطقة الحرية؟! هذا اتهام الحزب الإسلامي لوزراة الداخلية، أما التيار الصدري فاتهمها بالوقوف وراء مجزرة جسر الإئمة.

[email protected]

التعليق