ديمقراطية خارجة على الهيمنة الاميركية

تم نشره في الثلاثاء 30 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

من حق الولايات المتحدّة السعي من أجل مصالحها، ومن السذاجة افتراض ان قوّة عظمى تعمل فقط كمبشّر وداعية للمبادىء السامية للديمقراطية. لكن تاريخ القرن العشرين وضع الولايات المتحدّة مع الديمقراطية (غالبا) في حلف واحد، مقابل خصومها الوطنيين والقوميين والاشتراكيين. ولم تظهر فرص حقيقية للفرز والتمييز بين اختيار الديمقراطية كنظام سياسي وبين الارتباط والتبعية للولايات المتحدّة، والاخذ بسياسات اقتصادية معينة، كما تبدت دائما في وصفات صندوق النقد الدولي. وأكثر من ذلك، لم تظهر فرصة لتمييز السياسات الاقتصادية في ظلّ الديمقراطية كخيار وطني خالص، وليس كإملاءات تخدم المصالح والهيمنة الاقتصادية الخارجية على الاوطان الاضعف. فالدول غير الديمقراطية خرجت من الحقبة السابقة مثقلة بالديون، وموسومة بالفساد، وتلازم الاصلاح الديمقراطي مع الاصلاح الاقتصادي، وفق معايير ومرجعيات اليمين الليبرالي والرأسمالي.

كنّا بحاجة الى نموذج او حالة تمثل الخيار الديمقراطي كاملا، بسياسة اقتصادية-اجتماعية مستقلّة، وهو ما لم يتوفر للعالم العربي والاسلامي، ربما باستثناء نسبي لبلد مثل ماليزيا. وقد يكون من الصعب كثيرا لاقتصاد ضعيف ان يدخل في طريق مستقلة في عالم اليوم؛ فإن لم تكن تقبض على رقبته سلفا ادوات النفوذ الخارجي، ومنها الديون، فان الديمقراطية ذاتها ستتيح للولايات المتحدّة مدّ جسور التأثير الساحق، كما في دول اوروبا الشرقية.

الفرصة الفريدة تأتي الان من أميركا اللاتينية، ورأس الحربة هي فنزويلا بقيادة شافيز الذي اقترح القس اليميني والمرشح الجمهوري السابق للرئاسة، بات روبرتسون، اغتياله ببساطة "لأن قتل شخص أوفر من شن حرب على بلد"! وهو اضطر للاعتذار عن تصريحاته بعد الضجّة التي أثارتها، لكنه عكس المشاعر السائدة. وحسب رويترز، فإن كونداليزا رايس في لقاء مع وفد من الحزبين في الكونغرس اراد حثّها على اتصالات مع شافيز، قاطعتهم على الفور، قائلة ببساطة: نحن لا نحبّه. لا يحبّونه إلى درجة تأييد انقلاب عسكري (فشل بعد يومين) على الرئيس المنتخب ديمقراطيا.

فنزويلا من أكبر الدول النفطية، ويغيظ اميركا انها لا تهيمن على النفط، الذي يخدم في نفس الوقت قوة واستقلال البلاد. وفنزويلا نظام ديمقراطي مكتمل، لكن لم تترك الولايات المتحدّة وسيلة لتقويض النظام الا وجربتها، ودعمت تظاهرات وصلت حدّ العصيان المدني! واستجاب الرئيس لطلب المعارضة الاستفتاء على رئاسته قبل نهايتها، وفاز في تصويت شفّاف برقابة دولية. ويستمر شافيز بنظام ديمقراطي فعلا، وهو يتبع سياسة تريد اميركا لاتينية مستقلّة ومتكاملة اقتصاديا، خارج خيمة الاحتكارات الاميركية. وهذه الشوكة المزعجة في خاصرة الولايات المتحدّة تقوض الربط المحكم بين الديمقراطية والانصياع الاقتصادي–السياسي لـ"الامبراطورية الديمقراطية"، ولذلك لم يتبق للإدارة سوى الترديد الغبي لتوصيفات مثل الديكتاتور والطاغية والشيوعي... الخ، اذ يعزّ على الادارة فقدان هذا السلاح الرهيب (الديمقراطية) في وجه خصومة تعود لأسباب اخرى تماما، لا تجرؤ الادارة على اعلانها. لكن ترديد هذه التوصيفات بلا اساس اصبح يثير السخرية، داخل الولايات المتحدّة نفسها.

والمهم ان فنزويلا شافيز ليست ظاهرة منفردة، فالبرازيل، الدولة الاضخم في اميركا اللاتينية، لديها نظام ديمقراطي كامل، يقوده يساري يتضامن مع شافيز، ويعملان على بناء تكتل لاتيني ديمقراطي، مستقل سياسيا واقتصاديا عن الهيمنة الاميركية.

[email protected]

التعليق