دستور "سفري"

تم نشره في الجمعة 26 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

مسودة الدستور العراقي محل الخلاف والنقاش في بغداد يمكن وصفه بالدستور الـ"سفري"، او بلغة واشنطن التي ساهمت بكتابته (take-away)، تماما مثلما يشتري احدنا وجبة سريعة من مطعم! وتريده واشنطن دستورا على عجل، لأنها تبحث عن انجازات تدعم مزاعمها باستقرار العراق، واهمية الاحتلال في بناء عراق دستوري. والدستور يريده الرئيس الاميركي لدعم موقفه السياسي، وللتغطية على فقد واشنطن لزمام السيطرة على الوضع العراقي، وتزايد خسائر قوات الاحتلال، وارتفاع ارقام قتلاه.

واشنطن تريد الدستور على عجل لأنها تدرك ان خطواتها السياسية السابقة قد حققت فشلا نوعيا في اعادة الحياة الطبيعية الى العراق؛ فلا كهرباء ولا ماء ولا امن ولا اقتصاد ولا بترول او بنزين. ولهذا، فالهياكل التي تمت اقامتها ما زالت غير آمنة على نفسها.

الدستور بصيغته الحالية يريده البعض، بما فيها بعض مراكز القوى في واشنطن، مكافأة للفصائل التي ساندت الاحتلال سياسيا، وسخرت ميليشياتها لمساندته عسكريا. وتريده بعض القوى العراقية انتقاما وثأرا من السنة، باعتبارهم قاعدة النظام السابق كما يعتقد هؤلاء، والاهم لأن السنة العرب هم الطرف الاهم في معادلة المقاومة العراقية، التي لم تعد حالة طارئة بل جزءا من محددات تفكير الادارة الاميركية والحكومة العراقية.

العقلية التي تقود عملية وضع الدستور لا تبحث عن وثيقة لبناء الدولة بعد تفكيكها، ولكن لترسيخ واقع المحاصصة وروح الثأر من الماضي. ويجري استغلال حالة الارتباك الاميركية ورغبتها في تحقيق اي انجاز، بغض النظر عن ثمنه.

قضية الدستور ليست بين السنة والشيعة، بل بين تيارين؛ احدهما يؤمن بعروبة العراق ووحدته، وتيار آخر يعمل وفق منطق مصالح فئوية وطائفية وعرقية، أو وفق مصالح قوى اقليمية. فالقضية ليست في بناء دستور، بل في رغبة لدى البعض في كسب اكبر قدر ممكن من المغانم من الحرب.

  الفيدرالية التي طرحتها بعض القوى السياسية الشيعية تهدف الى تحويل السنة العرب ومناطقهم الى جيتو سياسي وقومي. ويعتقد هذا التيار ان استئثارهم بالمساحة الاكبر والثروات استدراك لظلم لحق بهم من النظام السابق. كما علينا ان ننظر الى هذا الدستور من خلال مصالح بعض القوى الاقليمية، التي لا تريد عراقا واحدا، بل جغرافيا مقسمة، ونفوذا يعطيها القدرة على امتلاك اوراق سياسية اكبر.

ما يجري على مسار الدستور دليل قاطع على ان من يفكرون للعراق من واشنطن، او اتباعها من القوى العراقية، يعملون على عجل، وفي داخل كل منهم منظومة مصالح خاصة. ولهذا، فالمعيار ليس في اقرار الدستور من قبل البرلمان، بل في ان يكون هذا الورق دستورا. فإعادة بناء الدول لا تجري بهذه الطريقة، وستبقى مشكلة اميركا وحكومات العراق قائمة، وسيبقى هذا البلد ساحة حرب ومعاناة لشعبه، في حياتهم ومعيشتهم، إذا لم تتبع سياسة تضمن حقوق العراقيين كافة.

[email protected]

التعليق