ياسر أبو هلالة

العامل العراقي في صواريخ العقبة

تم نشره في الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

من المغري استباق نتائج التحقيقات لربط إطلاق الصواريخ في العقبة بما يجري في العراق، سيما أن عددا من المسؤولين العراقيين بادروا إلى هذا الربط، مشفوعا بعظات حول مكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني.

تأثير العامل العراقي على الأمن الأردني ليس بجديد. وللتذكير، ففي مطلع التسعينات من القرن المنصرم، أفاد المعتقلون في قضية "جيش محمد" أنهم تسلحوا وتدربوا استعدادا للمواجهة مع الولايات المتحدة التي حاربت العراق، وخشية من اعتداء إسرائيلي على الأردن. وللعلم، كان العمل الوحيد لـ"جيش محمد" هو تفجير سيارة ضابط أردني! أما ارتدادات زلزال حرب الخليج الثانية، فيمكن رصدها في قضية "بيعة الإمام" منتصف التسعينات، والتي كانت أول قضية يحاكم فيها المطلوب الأول الآن في العراق، أبو مصعب الزرقاوي. في القضية، كان العراق ممرا للسلاح والمسلحين.

في فترة الحصار، استمر التأثير السياسي للعامل العراقي، وتدنى التأثير الأمني بفعل القبضة الصارمة للنظام السابق. لكن في العام 1999، غدا الجيب الكردي في شمال العراق مشروع أفغانستان مصغرة، وانخرط أردنيون في جماعة "أنصار الإسلام"، وقضى عدد منهم في مواجهات مع الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه الرئيس العراقي الحالي جلال طالباني. وعقب سقوط نظام الطالبان، كان جيب أنصار الإسلام في "بيارة" و"طويلة" في الإقليم الكردي موئلا لمن تشتتوا من أنصار القاعدة في أفغانستان.

كان من بين من لجؤوا إلى كردستان أبو مصعب الزرقاوي، ومنها بدأ رحلة العودة إلى الأردن. وظهر ظله في قضية اغتيال الديبلوماسي الأميركي لورنس فولي. وحسب محكمة أمن الدولة، فإن التخطيط والتمويل كان مصدره الزرقاوي في العراق. لم يكن النظام قد سقط بعد، ويصعب الجزم أنه كان ثمة تواطؤ منه، أو أن الزرقاوي كان يتحرك مستغلا هامش هشاشة النظام المتداعي.

بعد السقوط، كانت السفارة الأردنية في بغداد من أوائل الأهداف التي استهدفها الزرقاوي بموجة السيارات المفخخة. يومها كنت أعمل في بغداد؛ وأثناء إعدادي لتقرير عن حملة الاغتيالات التي بدأت تنال قيادات بعثية سابقة، غطيت حفل تأبين لرئيس جامعة بغداد، الدكتور محمد الراوي، في نقابة الأطباء. أثناء التأبين، دوى صوت انفجار ضخم، وعلت سحابة الانفجار. ذهبت إلى الموقع، وإذ بالانفجار قد دمر واجهة السفارة الأردنية وقتل حرسها من الشرطة العراقية وأصيب عاملون بالسفارة. كان منظرا مرعبا.. الدخان لا يزال متصاعدا، ورائحة الشواء البشري تملأ المكان. ما لم يقل سوءا عن هذا المشهد كان الهجوم "العفوي" للعامة على مبنى السفارة، وتدمير وإحراق ما طاولته أيديهم من صور وأعلام وسجاد! يومها شاهدت بعيني ماذا يمكن أن يفعل التحريض على بلد جار مثل الأردن في نفوس العامة، فكيف بالتحريض على بلد مثل أميركا؟

يومها اتجهت أصابع الاتهام إلى أحمد الجلبي، خصوصا في ظل تصعيد حملة التحريض التي شنها على الأردن. ولم يكن الأميركيون، في حينها، يستبعدون احتمالا كهذا، لكن تبين من بعد أن الزرقاوي كان يواصل حملته على الدولة الأردنية.

تزايد حضور العامل العراقي في ظل انهيار الأوضاع الأمنية، وازدادت صعوبة ضبط المتسللين عبر الحدود وباتجاهين، وهذا ما يغفله المسؤولون العراقيون، الذين ما فتئوا يهاجمون دول الجوار التي تسمح بتسلل المقاتلين، دون أن يلحظوا أن التسلل متبادل! في قضية استهداف مبنى المخابرات العامة، كان العراق مصدر التخطيط والتدريب والتمويل، ولو كان الزرقاوي مقيما في بلد غير العراق، لما تمكن من توسيع تنظيمه وتطوير إمكاناته، فهو بقي عامين في أفغانستان ولم يتمكن من تنفيذ أي عملية، لا ضد أميركا ولا ضد أي بلد آخر.

وفي اعترافات المتهم الأول في قضية تفجير مبنى المخابرات العامة، عزمي الجيوسي، أمام المدعي العام لمحكمة أمن الدولة، يكشف أنه خطط، فور وصوله إلى الأردن، إلى ضرب إيلات  بالصواريخ، التي كان سيطورها بعد تهريبها من العراق. لكن قيادته هناك كان لها هدف آخر، وهو المخابرات العامة، ولذلك صرف النظرعن العقبة.

السؤال الكبير: هل كانت "القاعدة" تعد مجموعات أخرى تضرب في العقبة وشرم الشيخ وطابا، في الوقت الذي صرفت الجيوسي عن هدفه الأول، أم أنها أرادت أن تضرب بالتوازي أهدافا متعددة؟ في ظل عدد من المعطيات، يمكن ملاحظة بصمات القاعدة في العراق. وما هو أهم من جوازات السفر العراقية، الصواريخ ذاتها. فالرؤوس مهربة من العراق، وتصنيع الجسم والمنصة خبرة عراقية متراكمة، تطورت بشكل دراماتيكي خلال العامين الماضيين، أما التسديد والتصويب فأمر يحتاج إلى ميدان تدريب حقيقي، يندر وجوده في غير العراق.

الواضح أن الهدف الأساس كان البارجة الأميركية، وهو ما يذكر بضرب المدمرة الأميركية "أس أس كول" في اليمن العام 2000. وهذا لا يبرئ "القاعدة" من تهمة استهداف ميدان تدريب للجيش، فقد خططت من قبل لضرب مبنى المخابرات، لكن الأولوية ضمن استراتيجيات القاعدة هي ضرب الأهداف الأميركية. وللتذكير، فإن التخطيط لضرب المدمرة كول، التي كانت راسية في ميناء عدن، استغرق زهاء عامين، وأسفر عن مقتل سبعة عشر من بحارة المدمرة، واستخدم في التفجير زورق انتحاري، فما المانع من تكرار العمل في العقبة؟

العامل العراقي لا يتوقف عند كونه ساحة تدريب وتنظيم وتمويل ودعم لوجستي، بل هو المغذي الأيديولوجي إلى درجة فاقت القضية الفلسطينية. وهو عامل ليس فاعلا في العقبة وحدها، بل امتد ليصل إلى لندن وشرم الشيخ وطابا من قبل.

ما سبق محاولة لتشغيل العقل لتفسير ما يجري، لا لتبريره، خصوصا أن ثمة من لا يزال يعتقد أن علاج الأمراض يتم بدموع المريض، أو تقديم باقات الورود له!

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ممتاز (أأح)

    الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2005.
    الله يعطيك العافية ومقالاتك دائما رائعة