ماذا بعد الانسحاب من غزة؟

تم نشره في الجمعة 19 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

 يأتي انسحاب القوات الإسرائيلية وإخلاء غزة مـن المستوطنين اليهود، بعـد 38 عاماً من الاحتلال، كأحدث برهان على ضيق حدود القوة العسكرية، حتى لو كانت تلك القوة ساحقة. والآن، حان الوقت لكي نستفيد من الدروس التي تعلمناها خلال أعوام الاحتلال والمقاومة، واضعين نُـصْـب أعيننا ضرورة التوصل إلى فهم واضح للخطوات التي يتعين على الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني أن يقوما بها في المرحلة القادمة.

    في البداية، يتعين علينا أن ندرك مدى الفضل الذي قد يستطيع الفلسطينيون أن ينسبوه إلى أنفسهم فيما يتصل بالانسحاب الإسرائيلي. في الحقيقة، كانت المقاومة الفلسطينية والتضحيات التـي قدمها الشعب الفلسطيني من العوامل التي أسهمت في دفع آرييل شارون إلى اتخاذ قرار بتبني سياسة معاكسة للسياسة التي اعتنقها لعقود. ولكن من الخطأ أن ننسب كل الفضل في الانسحاب الإسرائيلي إلى روح النضال الفلسطينية، ذلك أن هذا التحرك الإسرائيلي الصائب، والمؤلم فـي ذات الوقت، لم يأت كـنتيجة واضحـة لهزيمة عسكرية أو مفاوضات سياسية.

لكن التوجهات الأحادية الجانب لا تشكل، على الأمد البعيد، سياسة منطقية حكيمة وفعالة، ذلك أنها لن تؤدي إلى سلام حقيقي دائم في الشرق الأوسط. وكما تبين للرئيس بوش في العراق، فسوف يكون لزاماً على شارون أيضاً أن يدرك القصور الذي يعتري إستراتيجيته.

    قد تبدو التحركات الأحادية الجانب ملائمة في نظر الساسة الذين يفتقرون إلى البصيرة وبعد النظر، ذلك أنها تجنبهم الحاجة إلى الخوض في مفاوضات حقيقية مرهقة، أو الجلوس مع الطرف الآخر وجهاً لوجه، والتعرف على العواقب الإنسانية للسياسات التي ينتهجها كل من الطرفين. كما أن التحرك من طرف واحد يبدو مفيداً على الصعيد السياسي في الداخل، ذلك أنه يسمح للقادة باتخاذ القرار وفقاً لرغباتهم بشأن مدى استمرارهم في انتهاج سياسة بعينها.

    ومن العدل أن نعترف بأن التوجهات أحادية الجانب ليست ملائمة ومريحة بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي وحسب، نظراً لعدم رغبته في تقديم تنازلات ذات وزن من خلال المفاوضات؛ بل إن هـذه التوجهات تتسم بجاذبية شديدة أيضاً بين أهـل التيار المتشدد من الفلسطينيين، الذين لا يرون في التحركات التي تتسم بالثنائية أو التعددية سوى وسيلة للضغط عليهم من أجل تقديم تنازلات لا يرضى عنها الشعب الفلسطيني.

    وفي كل الأحوال، فإن اليوم الذي سيشهد اكتمال الانسحاب من غزة سيفرض على الإسرائيليين والفلسطينيين مواجهة قضايا معلقة على قدر كبير من الأهمية. مما لا شك فيه أن إجلاء المستوطنين اليهود من المناطق التي يعتبرها الإسرائيليون أرضاً موعودة يشكل تحولاً إيديولوجياً هائلاً، لكن بعد أعوام من التبشير بواحدة من العقائد الرئيسة للصهيونية وممارستها على أرض الواقع، فهل تستمر عملية إزالة المستوطنات في الضفة الغربية، أو يكون الأمر برمته مجرد استثناء لن يتكرر؟

من المنتظر أن يبادر الفلسطينيون إلى الإجابة عن بعض الأسئلة -بالأفعال وليس بالأقوال- بشأن قدرتهم على بناء دولة تعددية حديثة. كيف ستتمكن السلطة السياسية الفلسطينية من التعامل مع القوة المتنامية للحركات الإسلامية، التي ستتوقع بلا شك نصيباً ذا قيمة من السلطة في غزة بعد الانسحاب؟

    يتعين أيضاً على المجتمع الدولي أن يجيب عن بعض الأسئلة الأساسية. فطبقاً لتقرير المجلس الاقتصادي الفلسطيني لإعادة التعمير والتنمية، يبلغ متوسط دخل الفرد السنوي في غزة حوالي 700 دولار، بينمـا يتمتع الإسرائيليون بمتوسط دخـل يبلغ 16 ألف دولار للفرد سنوياً. وفي غياب وظائف جيدة الدخل نسبياً، تُرى ماذا قد يحدث لطوابير العاطلين عن العمل من أهل غزة؟ إن احتمال هروب الباحثين عن عمل -وهم يشكلون قوة هائلة بكل المقاييس- لا يمثل سوى مشكلة واحدة، وفي المستقبل الأقرب، فإذا لم تتمكن الأسر الفلسطينية في غزة من كسب عيشها على نحو كريم، فإنها مسألة وقت وحسب قبل أن يعود العنف عبر الحدود، هذا إن لم تتفجر انتفاضة ثالثة.

    على الرغم من أن الموقف الاقتصادي في غزة يشكل قضية حرجة، إلا أن مستقبل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لن يتحدد إلا على ضوء الخطوات التالية في عملية السلام. ومن المؤكد أن قضايا الوضع الدائم بشأن الحدود والضفة الغربية ومدينة القدس واللاجئين، لابد وأن يتم التعامل معها على نحو ثنائي. والحقيقة أن أي مراقب جاد للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لابد وأن يعترف بعدم وجود حلول أحادية الجانب لمثل هذه القضايا.

    أما فيما يتصل بالجهات المتعددة التي تتولى رعاية عملية السلام، الولايات المتحدة وشركاؤها في اللجنة الرباعية -والتي تشمل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، فقد أخفقت في تقديم أبسط الحقائق بشأن الانسحاب الإسرائيلي أو مدى ارتباطه بـِ"خريطة الطريق" التي تم الاتفاق عليها في العام 2003. لا ينبغي أن تستمر تلك الجهات في الجلوس على الخط الجانبي والاكتفاء بالمراقبة. ولقد فشل قرار واشنطن الوهمي، باعتبار هذا التحرك الإسرائيلي الأحادي جزءاً من خريطة الطريق، في إقناع العديد من الفلسطينيين. والرأي السائد بين الفلسطينيين اليوم هو أن خريطة الطريق سوف تخضع لعملية تجميد طويلة بمجرد اكتمال الانسحاب الإسرائيلي من غزة.

    ولكن يتعين على الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي وقادتهما، وعلى المجتمع الدولي، أن يستجيبوا للتحديات القادمة. وفي المقام الأول من الأهمية، فسوف يتوقف مستقبل الصراع وفرص إقامة سلام حقيقي في المنطقة على التوصل إلى فهم واضح لحدود القوة العسكرية العدائية، والمقاومة الدفاعية، والتحركات الأحادية الجانب. ولا يتبقى لنا إلا أن نقول إن الدخول في محادثات جادة تتفق مع القانون الدولي، وتتم بمساعدة المجتمع الدولي، هي السبيل الوحيد للتقدم نحو الأمام.

داود كُـتّاب مدير معهد الإعلام المعاصر بجامعة القدس في رام الله. عنوان بريده الإلكتروني: [email protected].

خاص بـ"الغد". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005. www.project-syndicate.org

ترجمة: إبراهيم محمد علي

التعليق