محمد أبو رمان

أسئلة واستفسارات على مشروع الإصلاح الإسلامي

تم نشره في الأربعاء 17 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

  بعد مخاضات ومحاولات متعددة قام الاخوان المسلمون بإعداد مسودة مشروع إصلاح جديد، بعد أن وجهت انتقادات متعددة وجوهرية على المبادرة السابقة الصادرة عن جبهة العمل الإسلامي والتي لم تتجاوز في جوهرها تجميع المطالب المعروفة للحركة الإسلامية. ويبدو المشروع الجديد أكبر من حيث الحجم والتفصيلات التي يتناولها من المبادرات السابقة، وفيه تجاوز -نوعا ما- للغة الاخوانية المعتادة مع وضوح حالة الخلط بين الخطاب التقليدي المعتاد وبين بعض المفردات الجديدة التي أدخلت على هذا الخطاب سعيا لجعله أكثر قربا من المتغيرات السياسية.

    المشروع الجديد يحمل عنوانا ملفتا "مشروع الإصلاح السياسي والديمقراطي في الأردن" وهو تطور إيجابي باتجاه التأكيد على قبول الحركة الإسلامية للديمقراطية كإطار للحياة السياسية الأردنية بلا تحفظ أو استدراك. لكن الأسئلة التي يثيرها المشروع تبدو أكثر بكثير من الإجابات التي يقدمها؛ إذ يضع المبادئ والقيم التي تتبناها الحركة الإسلامية ويتركنا حائرين -كالعادة- في تعريف وتحديد الآليات لتحقيق هذه المبادئ ضمن شروط الواقع الأردني وحيثياته، إذ يبدو واضحا أن الحركة ما زالت تهرب من استحقاق الإجابة على الأسئلة المحلية العملية!.

    السؤال الأول الذي يطرح نفسه على مشروع الإصلاح حول أسبابه وأهدافه، فليس المطلوب من الحركة الإسلامية أن تعلن رؤيتها ومبادئها العامة فقط على قاعدة "قل كلمتك وامش". أو أن تقدم مشروعها في إطار حُمّى المشاريع الإصلاحية التي انتابت الجماعات الأخوانية في العالم. إنما المطلوب من الحركة الإسلامية -التي تمثل المعارضة الشعبية الكبرى في البلد- إذا أرادت ممارسة العمل السياسي -وليس الخطابي والتعبوي- أن تقدم إجابات ورؤىً عملية موضوعية واقعية تمثل بدائل ممكنة التطبيق، أي أن تشكل الحركة الإسلامية اليوم "حكومة ظل" تملك رؤية تفصيلية نقدية للسياسات الرسمية العامة في مختلف الشؤون والقضايا، وهذا لا يكفي لتحقيقه أن تشكل لجنة لتخرج برؤى مختلطة، فهناك شروط ومقدمات لمشروع الإصلاح المطلوب أبرزها تفعيل الكوادر التكنوقراطية الاخوانية المتخصصة كل في مجاله والاستعانة بالخبرات الوطنية المختلفة، وإيجاد مساحة من "الديمقراطية الداخلية" تسمح بالاجتهاد خارج رؤية "الحرس القديم" وبناء حوار داخلي لتطوير رؤية الحركة تجاه القضايا المختلفة، تحمل قدرا كبيرا من الواقعية في التفكير والجرأة في الخروج على قيود الأيدولوجيا، الأمر الذي لن يمس خطاب الجماعة الإصلاحي فحسب، وإنما بالضرورة سيؤدي إلى عملية إصلاح وإعادة هيكلة داخلية تفعِّل دور جيل الشباب المكدس داخل الأطر التنظيمية ليتولى عملية تجديد الخطاب الإسلامي أولا ثم تقديمه للخارج. إذن لا بد أن تتم عملية تغيير وتطوير لقناعات وإدراكات سياسية وفكرية سائدة داخل الحركة، وإعادة هيكلة لمناهج وأدوات التربية والتنشئة الداخلية، وبروز قيادات شبابية جديدة، تقود الجماعة للطريق الجديد بعيدا عن التكلس الفكري والثقافي الذي تعاني منه رموز من الجيل القديم.

    بالتأكيد يمكن التقاط ما هو جديد في المشروع الاخواني ويمثل خطوة جيدة للأمام كالقبول الحاسم بالديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان والتعددية الدينية والفكرية والسياسية بلا تحفظ أو استدراكات، وتأسيس ذلك كله على مبدأ المواطنة ودولة القانون والمساواة. والمطالبة بإصلاحات دستورية ومحكمة دستورية وتفعيل دور المجتمع المدني وتأسيس نقابة للمعلمين والحد من تدخل الأجهزة الأمنية في تفاصيل الحياة السياسية، وكلها مفاهيم وقيم يتوافق عليها المجتمع الأردني وتُطَمئن القوى والأحزاب السياسية الأخرى تجاه نوايا  الحركة الإسلامية وممارستها تجاه الآخرين، وتدفع إلى الخروج من نفق خطاب الإقصاء والتكفير ورفض الآخر الفكري والسياسي الذي يسود لدى بعض الاتجاهات في الجماعة.

    لكن يُطرح تساؤلان جوهريان على الجانب السياسي في المشروع: الأول؛ هل -فعلا- باتت هذه قناعة الجماعة السائدة في خطابها للخارج والداخل؟، وهل سيؤدي ذلك إلى تطوير مناهج الجماعة الداخلية لتتلاءم مع هذه القيم ومضامينها مما يعني تجاوز حالة التردد والحيرة السابقة في التعامل مع الديمقراطية؟.

    والتساؤل الثاني يتعلق بما يلمح إليه المشروع ولم يتناوله بوضوح وهو العلاقة الأردنية- الفلسطينية داخل الأردن، إذ يعيد المشروع التأكيد على قيم وأبجديات تتوافق عليها القوى السياسية الأردنية من أقصى اليمين إلى اليسار ليست موضع خلاف تتمثل بضرورة الوحدة الوطنية وأهمية الحفاظ على الهوية الفلسطينية للاجئين مع تمكينهم من كافة حقوق المواطنة السياسية الأردنية، ورفض التذرع بحل القضية الفلسطينية لإبطاء عملية الإصلاح السياسي الداخلي، لكن السؤال هو حول المعادلة التي يتم من خلالها استيعاب القيم السابقة مع التحرز من هاجس التوطين والوطن البديل وضياع حق العودة نهائيا، وهذا يستدعي الإجابة عن أسئلة رئيسة: هل يعني الطرح الإسلامي القبول بالجنسية المزدوجة أم بطاقات ووثائق سياسية تثبِّت الهوية الفلسطينية للأردنيين من أصل فلسطيني أم ماذا؟ وكيف ينظر الاخوان إلى إشكالية الهوية المزدوجة؟، أم أنّ الوحدة الدستورية والسياسية بين الأردنيين والفلسطينيين التي يؤكد عليها المشروع تعني عدم القبول بقرار فك الارتباط مثلا؟ هذه الأسئلة تتطلب إجابات مقنعة وهي التي يدور حولها الجدل الوطني، أما ما يطرحه المشروع فيحتمل تأويلات وتفسيرات متعددة لا تشفي غليلا.

      في المقابل يبدو الجانب الاقتصادي –كالعادة- مصدر الضعف الحقيقي والرئيس في خطاب الحركة الإسلامية وفي مشروعها المقدم، ولا تكاد تلمح أي بعد واقعي يمكن البناء عليه لاستخلاص الجواب الإسلامي على المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الأردن، وأنا شخصيا لم أخرج بأي نتيجة واضحة فيما إذا كانت الجماعة ترفض الخصخصة أم تقبلها؟ وحول شروط الاستثمار ومسألة الضرائب وآليات التنمية ومكافحة الفقر والبطالة..الخ. وأحيل هنا إلى كتاب "الجراحة التجميلية للعمل الإسلامي" -الذي أصدره مركز دراسات الأمة المقرب من جماعة الاخوان- حول تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، إذ يقدم برنامج حزب العدالة في الجانب الاقتصادي معالم رؤية متكاملة جريئة مدركة لشروط الواقع التركي ومعضلاته الاقتصادية، وقد كانت فكرة الكتاب بالأساس للنظر في مدى إمكانية استفادة الحركة الإسلامية في الأردن من هذه التجربة الثرية والمتقدمة في كثير من الجوانب، الأمر الذي نأمل أن يتحقق مستقبلا!، وإذا كانت رؤية العدالة والتنمية –لأسباب عديدة- مرفوضة عند أقطاب من الاخوان الأردنيين، فهناك تجربة مهاتير محمد في ماليزيا، بل وكثير من التجارب الاقتصادية التنموية الناجحة، وإن اختلفت في تحديد شروط بناء نظام اقتصادي ناجح لكن المهم أن تتجاوز الحركة الإسلامية الشعارات والتمنيات واللغة المعلبة الفضفاضة لتناقش بواقعية وجرأة استراتيجية النهوض بالواقع الاقتصادي الأردني واليات تحقيق ذلك، ودور الحركة في الجانب التنموي الوطني.

        ولا تخرج رؤية الجماعة للسياسة الخارجية عن الجدل السابق، فمع أهمية التأكيد على هوية الأردن العربية والإسلامية، فلا بد من القبول بلغة الممكن في الممارسة السياسية، فلو كانت الحركة في الحكم كيف ستتصرف؟ هل ستقطع العلاقات مع إسرائيل وأميركا؟ وهل ستقدم خطابا سياسيا تحريضيا ضد سياسة الولايات المتحدة في المنطقة؟ في الوقت الذي تسعى فيه قوى إقليمية إلى خفض رأسها للرياح؟!. أما الحديث عن المجتمع المدني والسياسة الاجتماعية والتربية والتعليم والمرأة والعديد من المحاور الداخلية فهي قيم عامة تحتاج إلى تفصيل ولا تجيب عن الأسئلة الرئيسة؛ فما هي استراتيجية تطوير التعليم الذي تتبناه الحركة؟ وما هي نقاط الاختلاف والتمايز عن السياسات الرسمية؟ وما هو موقف الحركة الإسلامية إذا وصلت إلى الحكومة من قضايا لباس المرأة والحريات الشخصية والفنون والقضايا الأخرى المرتبطة بذلك؟

        ما أريد الخلوص إليه أن مشروع الإصلاح السياسي والديمقراطي الحقيقي يتطلب أن تدرك الحركة الإسلامية شروط الأرض التي تقف عليها وأن تضع مسارا لتغيير الواقع نحو الأحسن وأن تحدد الأولويات وتضع الاجتهادات الفقهية والفكرية لمعالجة المصاعب والمشكلات العملية، أما المشروع المقدم فيبقينا معلقين لا نحن على الأرض ولا في السماء!..

[email protected]

التعليق