مذكرة التفاهم الأمني

تم نشره في الأحد 14 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

السجال حول دستورية مذكرة التفاهم الأمني مع بريطانيا ظاهرة صحية، ذلك أنه يعلي من شأنين: شأن الدستور وسيادة القانون والمواثيق الخاصة بحقوق الإنسان، وشأن سلطة مجلس النواب بوصفه مشرعا ورقيبا على السلطة التنفيذية في سياستها الخارجية والداخلية. وبمعزل عن النتائج، يعد السجال مكسبا بذاته.

في الشأن الأول، ينبغي ألا يحول الحرص على الاستقرار والأمن دون الالتزام التام بحقوق المواطن التي كفلها الدستور والقوانين والمواثيق الدولية، حتى لو كان المواطن ملاحقا أمنيا، أو متهما أو محكوما. وهذا ينطبق على عمر أبو عمر، المعروف بأبو قتادة؛ فالرجل محكوم غيابيا في قضيتين ردتهما التمييز ثلاثا، وقد اعتقل في بريطانيا وربما يكون أول المرحلين خارجها.

فالحكومة البريطانية، التي ظلت من أكثر البلدان مراعاة لاعتبارات حقوق الإنسان، فاض بها الكيل بعد تفجيرات القطارات، وغدا ترحيل من يؤمنون بالفكر السلفي الجهادي مسألة وقت. لكنها أمام عراقة القضاء البريطاني، وهيبة نشطاء حقوق الإنسان، تريد الحكومة البريطانية حفظ ماء وجهها، وترد على المنتقدين: نرحل لكن بشروط. في المقابل، من مصلحة الأردن أن يقدم نموذجا -في ظل الحفاوة الإعلامية التي تحظى بها القضية- في الحرص على حقوق المواطن الدستورية والقانونية.

ثمة نموذجان للتعامل الأمني؛ ففي بريطانيا التي وقعت فيها تفجيرات القطارات، اعتقل ثمانية متهمين من بينهم منفذو التفجيرات ومخططوها، واعتذرت الشرطة وحققت في مقتل البرازيلي خطأ. في المقابل، اعتقل في تفجيرات طابا زهاء الألفين، وقتل ملاحقان دون اعتذار. المؤكد أن الأمن البريطاني ليس أقل حرصا من الأمن المصري على أمن مواطنيه، لكنه يعلم أن أخذ الناس بالشبهة وتلبيس التهم، وغير ذلك من الممارسات العالمثالثية، هي من قبيل التحريض على الإرهاب لا أكثر.

في الأردن، يصعب أن نصنف مثل بريطانيا على صعيد الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن حالنا من أفضل الدول العربية، وبالإمكان أن تشكل مذكرة التفاهم الأمني خطوة إلى الأمام لا إلى الخلف، بحيث تكون حقوق من يرحلون مصانة، ويحصلون على محاكمة عادلة تبرئهم أو تدينهم. وعلى أهمية السجال، وضرورة إعلاء دور النواب، فالتجربة تظهر أن الأردن تسلم سابقا معتقلي الجيش الياباني الأحمر من لبنان وسلمهم إلى اليابان، وتسلم خليل الديك من الباكستان الذي خرج براءة من قضية إرهابية، ورائد حجازي من سورية والذي حكم بالإعدام إلا أن التمييز ردت الحكم، ومعمر الجغبير ومقداد الدباس وغيرهم من السلطات الأميركية في العراق ولايزالون تحت سلطة القضاء.

ثمة عولمة أمنية، الأردن جزء منها. وجزء من هذه العولمة موثق في معاهدات واتفاقات، وجزء آخر في طور التوثيق، والمهم ألا يفرط بحقوق المواطن التي كفلتها الدساتير والقوانين والمواثيق، وهذا بذاته رد عملي على الفكر المتطرف الذي يكفر الدساتير والقوانين والقضاء والسلطة التشريعية، وهنا تبدأ المواجهة مع التشدد قبل أن تكون في المحاكم وفي أجهزة الأمن.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق