تفخيخ الدستور العراقي.. هل العراق موحد حتى ينقسم؟

تم نشره في السبت 13 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

    اختار رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، عبدالعزيز الحكيم، أن يعلن مشروعه للفيدرالية قبيل أيام من المهلة الأميركية لإنجاز الدستور. وبذلك يضع مفخخة جديدة في ثنايا الدستور الذي يوشك على الانفجار قبل إقراره، ويلوح باستخدام سلاح رادع في وجه من يعنيهم الأمر، أميركيين وأكرادا وعربا سنة؛ إنه سلاح الانفصال الذي طالما استخدمه الأكراد.

    إننا أمام دولة الشيعة الناجزة جنوبا ووسطا،عاصمتها النجف، وهي مهوى أفئدة شيعة العالم لا شيعة العراق فقط. وهذه الدولة تسبح على بحور النفط في البصرة، وبحور مياه الفرات، وفوق ذلك ستتفوق على دولة الكرد في الشمال بامتلاكها المنفذ البحري الوحيد على البحر.

    وللدولة مجال حيوي تتحرك فيه؛ دولة الولي الفقيه في إيران، وأقليات شيعية في الكويت والسعودية وباقي الخليج. الدولة ستكون بمساحة وسكان يفوقان جارتها الكويت، ولها إرث ثقافي وحضاري يكاد يختصر العراق، من الحضارة البابلية إلى النحو الكوفي والبصري، ولا ينتهي بالسياب والجواهري. وهي ليست آخر الدول المتولدة من انقسام، فقد سبقتها بنغلادش ودول يوغسلافيا والاتحاد السوفياتي السابقين.

    ما سبق قد يكون كابوسا لبعض العرب والعراقيين، لكنه حلم لآخرين، طمعا بمكاسب الانفصال وهربا من مآسي الاتصال. فتوقيت الإعلان عن الفيدرالية جاء في ذكرى مقتل محمد باقر الحكيم. ومظالم الشيعة، وإن شابها كثير من المبالغة، صحيحة. فالنظام السابق، وإن بطش بالجميع، إلا أن حظ الشيعة والأكراد كان من بطشه أكبر، وهو ما أورث مآسي وأحقادا قد يحتاج محوها إلى أجيال.

    مشكلة الانفصال الأساسية تكمن في عدم وجود إجماع شيعي عليها؛ فموقف المجلس الأعلى لا يوافقه عليه حزب الدعوة، الذي يقوده ابراهيم جعفري رئيس الوزراء، ولذلك بادر الناطق باسمه، ليث كبه، إلى وصف الطرح بأنه "غير مقبول". أما التيار الصدري، فقد سيَّر سابقا مسيرات ضمت عشرات الألوف ضد الفيدرالية. ولا يجد المجلس الأعلى مؤيدا له غير السياسي الإشكالي أحمد الجلبي.

    في هذا السياق تفهم تحذيرات زعيم منظمة بدر التابعة للمجلس من تفويت الفرصة التاريخية: "يجب أن نحصل على الفيدرالية في الجنوب كي نضمن حقوقنا التي حاول الأعداء منعنا من الحصول عليها". لكن هادي العامري، زعيم فيلق بدر، لم يوضح من هم "الأعداء"! هل هم العرب السنة، أم الأكراد؟ أما عبدالعزيز الحكيم، فاعتبر الفيدرالية "حقا من حقوق الشيعة بعد اضطهادهم على يد الحكومات المتعاقبة".

    قد تكون مشكلة المجلس الأعلى أنه يعيش تناقضات لا يمكن له حسمها، فهو يمتلك مع التحالف الشيعي أكبر كتلة في الجمعية الوطنية، والحكومة الحالية تحت تصرفه، بجهازيها المدني والعسكري، لكنه عاجز عن بسط نفوذه في بغداد. وبالتالي، يرفض النعمة وينكص إلى معقله في الجنوب والوسط. لكن حتى في معقله، يواجه منافسة جدية من التيار الصدري وغيره من التيارات الشيعية، وفي ظل عجزه عن توحيد الطائفة، اختار الانقسام والبعد عن المركز، طبعا تحت مسمى الفيدرالية.

    ثمة اتهامات توجه لإيران بالوقوف وراء دعوات الحكيم، خصوصا أن المجلس الأعلى ما كان يوم تأسس إلا ذراعا للاستخبارات الإيرانية لتصدير الثورة الإسلامية التي لا تعترف بالحدود، ولذلك جاء اسمه "في العراق" وليس العراقي! تماما مثل تنظيم القاعدة "في بلاد الرافدين"، وليس تنظيم القاعدة العراقي. وقد سببت له تبعيته للنظام الإيراني إشكاليات مع التيارات الشيعية في العراق، مثل حزب الدعوة والتيار الصدري. وفي كتاب "العراق بلا قيادة"، الذي ألفه أحد ناشطي التيار الإسلامي الشيعي، يكشف عن وثيقة يوجهها الحكيم لقيادة القوات المسلحة الإيرانية، يطلب فيها إعفاء نجله عمار، حامل الجنسية الإيرانية، من الخدمة العسكرية في الجيش الإيراني!

     على أهمية النفوذ الإيراني، تبقى المسألة أكثر تعقيدا. فإيران لا تستطيع أن تتدخل لولا وجود بيئة صالحة للتدخل، وهي تعلم ان شيعة العراق ليسوا فرسا، كما أن جزءا كبيرا من شيعتها عرب لا يزالون يعانون تهميشا لا يقل عما لقيه إخوانهم العراقيون على يد نظام صدام. ومع أن مرجعية السيد علي السيستاني فارسية، إلا أنه يحتفظ بمسافة -ولو قصيرة- بينه وبين النظام في إيران؛ فهو مبدئيا لا يؤمن بنظرية الولي الفقيه، وعمليا يحظى بمساندة العشائر العربية الشيعية أكثر من مساندة النظام في إيران، وشيعة الخليج في جلِّهم يقلدون السيستاني ولا يقلدون الولي الفقيه خامنئي.

     قد تنجح دعوات التقسيم في ظل رغبة الأميركيين في الانسحاب من العراق بأسرع وقت، لكن التقسيم لن يجعل وضع الشيعة أفضل. فالرفاه والازدهار لا يتحقق بالاستئثار، ولا يمكن أن تزدهر السماوة وراوة خربة! على الشيعة أن يستفيدوا من تجربة أميركا بعد الحرب العالمية الثانية، إذ عملت على إنجاز مشروع مارشال لإنقاذ الاقتصاد الأوروبي حتى تضمن أسواقا لمنتجاتها، وإذا كان هذا على مستوى القارات، فكيف بالعلاقة بين أبناء البلد الواحد؟ طبعا، الأكراد يعتقدون أنهم يقيمون على سطح كوكب آخر، وهو ما تبدى يوم قال قائلهم برفض هوية العراق إسلاما وعروبة.

    العراق منقسم قبل دعوة الحكيم إلى الفيدرالية، وقبل رفض البارزاني للهوية الإسلامية والعربية في الدستور. منقسم لم توحده غير دبابات الحرس الجمهوري من قبل، ودبابات الاحتلال الأميركي من بعد. وانقسامه لا يحتاج إلى توثيق في دستور. والدستور برسم الانفجار والتشظي قبل الانتخابات أو بعدها. وتنظيم القاعدة وجد مبررا جديدا لإطلاق حملة تفجيرات تستهدف من يكتبون الدستور ومن يصوتون له.. كان الله في عون العراقيين.

 [email protected]

التعليق