ياسر أبو هلالة

حرية التعبير في مختبر التحريض مجددا

تم نشره في الخميس 11 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً


فتحت تفجيرات لندن، مجددا، باب السجال حول العلاقة بين "التحريض على الإرهاب" وحرية التعبير. فقد ظلت الحكومة البريطانية قابضة على جمر مبادئ حقوق الإنسان حتى ما قبل تفجيرات لندن، رافضة الحجر على أي رأي مهما كان متطرفا، إلى درجة أن العاصمة البريطانية كانت توصف في كثير من وسائل الإعلام العربية بـ"عاصمة الإرهابيين".

صحيفة "فايننشال تايمز" كتبت مقالا بعنوان: "ديمقراطيات الغرب تتصارع مع الإرهاب"؛ اعتبرت فيه أن التدابير الأمنية وحدها لن تكفي لجعل البلاد اكثر أمانا. وقالت: "عاد موضوع تحديد الحدود بين حرية التعبير والتحريض على العنف أولوية في المملكة المتحدة. طورت الحكومة خططا لمنع التحريض غير المباشر على الارهاب، كما أن الحكومة راودتها فكرة ملاحقة المتشددين الاسلاميين بتهمة الخيانة".

والواقع أن بريطانيا آوت معارضين من تلاوين مختلفة، أكثرهم معتدل ونموذج للمواءمة بين الإسلام والتحديث، مثل زعيم حزب النهضة التونسي الشيخ راشد الغنوشي، والقيادي الإخواني المصري كمال الهلباوي، ورئيس الرابطة الإسلامية محمد كاظم صوالحة. ومنهم مناصرو الجماعات الجهادية، مثل أبوحمزة المصري وياسر السري وأبو قتادة. وفي بريطانيا، تمكن أولئك جميعا من التعبير عن آرائهم، خطابة وصحافة مطبوعة ومسموعة ومرئية.

السجال ليس جديدا عالميا، لكنه للمرة الأولى يثار في بريطانيا بهذا الشكل. فالـ"بي بي سي" قابلت أعضاء في الجيش الجمهوري الإيرلندي المتهم بالإرهاب، وهي الممولة بالكامل من الخزانة البريطانية. وفي أميركا، قابلت "أيه بي سي" و"سي أن أن" أسامة بن لادن قبل أن تؤسس الجزيرة، ولم تخرج أميركا بمصطلح "التحريض" إلا بعد الحادي عشر من أيلول. فالسلطات الأميركية سبق أن سمحت لـ"سي بي أس" بمقابلة ماكفيه، منفذ تفجير أوكلاهوما، قبيل إعدامه، ولم تعترض على مقابلة المحطة ذاتها مع عبدالرحمن ياسين، العراقي الذي شارك في تفجير مركز التجارة في المرة الأولى مطلع التسعينات.

أهم من ذلك كله، أن تلفزيون "إيه بي سي"، وهو من أبرز التلفزيونات الأميركية، قابل شامل باسييف، وهو بالنسبة للروس أسوأ من ابن لادن للأميركيين.

الموقف الروسي من المحطة الأميركية لم يختلف كثيرا عن الموقف الأميركي من الجزيرة عندما تبث تسجيلا لابن لادن أو الظواهري، إذ اعتبرت الخارجية الروسية الشبكة الأميركية بأنها دعمت "بروباغاندا الإرهاب". فيما أمر وزير الدفاع الروسي، سيرجي ايفانوف، الجيش بإيقاف كل سبل التواصل مع الشبكة بعد أن أجرت المقابلة، التي بثت على برنامج "إيه بي سي" الشهير المعروف بـ"نايت لاين". وباساييف اتهم بتدبير اختطاف الرهائن في مستشفى الولادة، ورهائن مسرح "دوبروفسكي" في موسكو، الى جانب تفجير المساكن في موسكو وقطارات مترو الانفاق وطائرات الركاب المدنية، وتطول القائمة لتشمل حادث اختطاف اطفال مدرسة بيسلان، وعمليات أخرى كثيرة ابان سنوات الحربين الشيشانيتين، الاولى في 1994-1996، والثانية التي اندلعت في صيف العام 1999.

أما الشخص الذي أجرى المقابلة لصالح "أي بي سي"، فهو المواطن الروسي أندريه بابيتسكي، مراسل اذاعة "ليبرتي" الممولة أميركياً. اما الكسندر تسيبكو، الحزبّي الشيوّعي وأحد اركان فريق الزعيم السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف ابان سنوات "الغلاسنوست" و"البيريسترويكا"، فقد حمل على بابيتسكي ومن يقف وراءه، مؤكدا مشروعية ما اتخذته السلطات الروسية من قرارات، وإن اعترف ايضا بعجز الاجهزة الامنية وفشلها في القيام بواجبها تجاه باساييف. وقال تسيبكو: ان باساييف عدو لروسيا، ومن الضروري محاصرته إعلاميا وعدم اتاحة الفرصة لأي حوار معه. وقال كوستيكوف: ان موسكو، وما دامت اختارت مثل هذه الاجراءات سبيلا الى اقرار معايير التعامل مع ممثلي الاجهزة الاعلامية، فهي مدعوة الى الالتزام بها وتطبيقها على الجميع محليا وعالميا.

المحطة الأميركية لم يختلف ردها على السلطات الروسية عن رد المحطات العربية على السلطات الأميركية، ودافعت المحطة عن موقفها بالتأكيد على أنه: "لا يمكن السماح لأي حكومة بأن تردعها عن نقل الأخبار بصورة كاملة ودقيقة".
السجال حول التحريض وحرية التعبير لم يبدأ بعد الحادي عشر من أيلول، وقد يكون بدأ في الصحافة الإسرائيلية عقب اغتيال رابين العام 1996، إذ اتهمت زوجته الإعلام الإسرائيلي بالتحريض على اغتياله، عندما كان يبث خطابات وهتافات اليمين المتطرف التي تصفه بالخائن وتتوعد بقتله.

وإذ يصعب حسم سجال كهذا، يمكن القول إن التعامل الإعلامي، عربيا ودوليا، مع الخطاب المتشدد ليس دعائيا، بل هو في مجمله مهني. فلا توجد وسيلة إعلام تبث تسجيلات الجماعات الجهادية كما هي، بل تخضعها لتحرير قاس، جعل تلك الجماعات تتهم المحطات التلفزيونية بالخضوع للسطوة الأميركية. بيد أن الإعلام يظل شماعة مناسبة يلقي عليها السياسيون أوزار فشلهم.
yaser.hilala@alghad.jo

التعليق