مكافحة الإرهاب بالديمقراطية

تم نشره في الخميس 11 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً


كانت التفجيرات التي شهدتها لندن، ثم تلك التي شهدتها تركيا مؤخراً، سبباً في استحضار الأفكار القديمة التي مؤداها أن الأنظمة الاستبدادية أفضل تجهيزاً واستعداداً من الأنظمة الديمقراطية لمكافحة الإرهاب، وأن تلك الهجمات تمثل الثمن الذي ندفعه من أجل الحرية. ويرى بعض الناس أن هذا الثمن يستحق أن يُـدْفع؛ ويرى آخرون أن التكلفة باهظة أكثر مما ينبغي.

لكن نظرة إلى السجل تؤكد لنا أن ما تمتلكه الأنظمة اديمقراطية من الأسلحة الفعّالة في مكافحة الإرهاب تفوق ما تمتلكه الأنظمة الاستبدادية منها. والحقيقة أن الأنظمة الديمقراطية تصبح أضعف حين تتخلى عن أخلاقياتها وتعجز عن مقاومة إغواء الاستبداد.

مما لا شك فيه أن المنطق وراء الأصوات المطالبة بتقييد حرياتنا يتمتع بجاذبية المبالغة في التبسيط: "المتطرفون يستغلون حرياتنا لارتكاب جرائمهم، لذا فإن منع إساءة استخدام الحريات يتطلب تقليص نطاق هذه الحريات". لكن الخطأ هنا يتلخص في افتراض أن المجتمعات المفتوحة أكثر تساهلاً مع الإرهاب، وبالتالي أكثر عرضة لجرائمه من تلك المجتمعات التي تعيش في ظل أنظمة استبدادية. وما علينا إلا أن ننظر إلى روسيا اليـوم، أو نتذكر أحـوال الجزائر في تسعينات القرن العشرين.

من المؤكد أن الديمقراطية وحكم القانون لا يقدمان ضماناً أمنياً ليس عُـرضة للفشل أو الإخفاق، لكن مثل هذا الضمان سراب على أية حال. ذلك أن احترام الحريات الأساسية، والالتزام بالإجراءات السليمة الواجبة في إطار المحاولات الرامية إلى كبح الإرهاب، من الأدوات القوية الناجحة في عزل المتطرفين والانتقاص من شرعيتهم في أعين أولئك الذين قد يميلون إلى تأييد قضية الإرهابيين. ولأن بريطانيا دولة ديمقراطية تحترم حكم القانون، فقد كانت قادرة على تعبئة قطاعات واسعة من الجالية المسلمة فيها.

وعلى النقيض من هذا، فإن قمع الأنظمة الاستبدادية للمدنيين، وعدم تمييزها بين المدنيين والقتلة، يقدم للمتطرفين تربة خصبة لتجنيد الأفراد، من خلال التشكيك في الحكومات في نظر قسم كبير من الشعوب التي تقوم عليها هذه الحكومات. وإن التوجه عديم التمييز فيما يتصل بالتعامل مع الإسلام السياسي، والذي يخفق في التفرقة بين أولئك الذين يرفضون العنف وأولئك الذين يلتجؤون إلى الإرهاب، لن يؤدي إلا إلى تيسير وتسهيل أعمال المتطرفين، إذ إن ذلك التوجه يؤدي إلى إبراز الإرهابيين وكأنهم أبطال يناضلون في سبيل قضايا لا تنم عن أهدافهم الحقيقية.

وتقدم لنا روسيا دليلاً حاسماً على عجز السبل الاستبدادية العنيفة والاستخفاف بحكم القانون. فقد تبنى الرئيس فلاديمير بوتن سياسة الأرض المحروقة في الشيشان، الأمر الذي أدى إلى اندفاع العديد من القوميين الشيشان إلى أحضان المتطرفين، ولم تتوقف الهجمات الإرهابية ضد روسيا ولم تتضاءل. ولنتذكر الإرهاب الذي ضرب بيسلان في أيلول 2004، حيث أدت هجمة منفردة على مدرسة إلى قتل ما يزيد على 330 مواطناً.

وفي العراق أيضاً تبين لنا حدود العنف غير المشروع في مكافحة الإرهاب، وعلى ما يبدو فإن إدارة بوش أدركت هذا الآن. ومن الخطأ الفادح أن نصدق أن موت الآلاف من المدنيين، علاوة على السجن الاعتباطي العشوائي وحالات التعذيب، ليست من الأسباب المباشرة لانتشار الإرهاب في العراق، ففي النهاية، كان ضحايا التعذيب بمثابة أفضل دعاية ممكنة لتجنيد المزيد من الإرهابيين.

فضلاً عن ذلك، وحين يتصل الأمر بمكافحة الإرهاب، فسوف نجد أن الأنظمة الديمقراطية أكثر فعالية، سواء على الصعيد السياسي أو على مستوى العمليات، وعلى نحو خاص فيما يتصل بأجهزة الاستخبارات التابعة لهذه الأنظمة. ذلك أن أجهزة الاستخبارات في الدول الاستبدادية إما أن تكون شديدة المركزية، أو تميل إلى التحول إلى مراكز قوى مستقلة. وفي أيٍ من الحالتين، فهي لا تخضع لرقابة من أي جهة عامة ولا تتحمل المسؤولية أمامها. ونتيجة لهذا، فإن تلك الأجهزة تفقد قدرتها مع الوقت على التقويم الذاتي لتصرفاتها وأخطائها.

أما أجهزة الاستخبارات التي تنشأ في بيئة ديمقراطية، فهي تتمتع عادة بآليات إشرافية تعمل على تقييد حالات إساءة استغلال السلطة، وتضمن العمل على نحو فعّال من خلال معاقبة المسؤولين الذين يخفقون في الاضطلاع بواجبات وظائفهم على النحو اللائق. ففي الولايات المتحدة، تتولى لجنة قوية تابعة لمجلس الشيوخ، ومشكلة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، الإشراف المباشر على أجهزة الاستخبارات. وقد كان تقرير هذه اللجنة بشأن عجز أجهزة الاستخبارات، وبصورة خاصة وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيق الفيدرالي، عن منع هجمات الحادي عشر من أيلول 2001، يتضمن أيضاً عدداً من التوصيات بشأن إعادة هيكلة هذه الأجهزة بحيث تصبح أكثر فعالية.

أما أوروبا، فإن استجابتها للإرهاب تتطلب أولاً وقبل كل شيء أن تعمل جاهدة على تقوية أجهزة الاستخبارات لديها، بحيث تصبح قادرة على كشف وتفكيك الخلايا الإرهابية، بينما تحترم في ذات الوقت الحقوق الأساسية والإجراءات القانونية السليمة. كما أن هذا يتطلب قدراً أكبر من التنسيق بين الدول الأعضاء كافة في الاتحاد الأوروبي، علاوة على حلفاء تلك الدول وشركائها.

وفي الوقت ذاته، فإن تبني حكم القانون في مكافحة الإرهاب لابد وأن يشكل أحد الأعمدة التي يقوم عليها التعاون الأوروبي مع دول العالم الثالث، وبالتحديد دول البحر الأبيض المتوسط وباكستان، بحيث يؤدي هذا إلى الإسهام في خلق ثقافة أمنية تفضي في النهاية إلى التحول نحو الديمقراطية. كما أن تعميق الديمقراطية يعني بدوره السماح بالمشاركة المدنية الكاملة، بما في ذلك مشاركة الجماعات الإسلامية المناهضة للعنف. ولابد من الدفاع عن حق الخطاب العام والاجتماع السلمي، وكفالة هذا الحق لهؤلاء الذين يشعرون بالتهميش والسخط إزاء ما ينظرون إليه -هم وأغلب أهل أوروبا- باعتباره ظلماً وجوراً في حق الفلسطينيين والشيشانيين والعراقيين.

أخيراً وليس آخراً، فإن مكافحة التطرف الذي يستند إلى الشعور بالهوية يتطلب قدراً أعظم من القدرة على الاستيعاب من أجل دمج كل من يعيشون داخل حدود الاتحاد الأوروبي في كيان واحد. ينبغي أن تكون الاستجابة للإرهاب من خلال التوكيد على إعلاء قيمة حكم القانون فوق القمع العشوائي، واحترام التنوع الذي يعد السمة المميزة لمدن أوروبا، وبصورة خاصة لندن وباريس، علاوة على مدن أخرى متزايدة بدأت تتخذ ذلك الطابع في كل أنحاء الاتحاد الأوروبي.

ليس بوسعنا -بل لا ينبغي علينا قط- أن نستسلم للإرهاب من خلال بناء الأسوار والجدران حولنا وداخل مجتمعاتنا، وإن الاستجابة الأمثل لذلك الإرهاب الذي لا يعرف التسامح هي أن نزرع، ونتعهد بالرعاية، مجتمعاً مفتوحاً يتسم بالتعددية، ويتعامل مع كل من يقيمون تحت ظله باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق. لقد نجحت أوروبا في تحويل التنوع إلى سمة من سماتها الأساسية، وهذا هـو السبب الذي جعل لها مثل هذا التأثير على العالم. إن الحرص على حماية هذا الجوهر يشكل الوسيلة المثلى لتكريم ذكرى ضحايا الإرهاب، سواء أكانوا من أهل لندن، أم شرم الشيخ، أم مدريد، أم الدار البيضاء، أم نيويورك.

ألفارو دي فاسكونسيلوز [email protected]، مدير المعهد البرتغالي للدراسات الاستراتيجية والدولية.
خاص بـ"الغد" حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005.
www.project-syndicate.org
ترجمة: أمين علي

التعليق