أشباح التاريخ في شرق آسيا

تم نشره في الأربعاء 10 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

  يوافق هذا العام مرور قرن من الزمان على نشوب الحرب الروسية اليابانية في عام 1905، وفي الخامس عشر من شهر آب/ أغسطس الجاري تعتزم العديد من الدول الاحتفال بالذكرى الستين لنهاية الحرب العالمية في منطقة الباسيفيكي. وبطبيعة الحال، لم يعد للهيمنة العسكرية اليابانية على منطقة شرق آسيا وجود الآن، تلك الهيمنة التي بدأت بالحرب الروسـية اليابانية وأدت إلى الحرب العالمية الثانية. لكن أشباح التاريخ ما زالت تهيم في منطقة شرق آسيا، بينما تناضل كل دولة في سبيل العثور على السبل المناسبة للتعامل مع الماضي.

   وفي هذا السياق تمثل الصين العلامة الفارقة. فعلى مر القرون تناوبت اليابان والصين الهيمنة على منطقة شرق آسيا، وتسعى كل منهما الآن إلى تأكيد سيطرتها الإقليمية. وتاريخياً، كانت شبه الجزيرة الكورية مسرحاً لهذه المنافسة، ولكن مع اقتراب حلول السلام بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، فقد بدأت كوريا الجنوبية أيضاً في السعي إلى فرض نفوذها الإقليمي.

   ويأتي السخط على أخطاء الماضي ومظالمه ليدعم كل تلك المساعي المتنافسة إلى فرض النفوذ. ففي أثناء زيارته للولايات المتحدة في شهر حزيران/ يونيو الماضي أكد روه موو هيون رئيس كوريا الجنوبية للرئيس بوش أن الصين قامت بغزو كوريا أكثر من مائة مرة على مدار التاريخ. وبالطبع أصابت هذه الملحوظة الصين بصدمة عميقة، وهي الدولة التي تنظر إلى نفسها كضحية للغزوات (التي كان أكثرها إذلالاً ومهانة من قِـبَل اليابان)، لكنها تنسى تاريخها في التحرش بجيرانها.

   كما بادر روه إلى انتقاد اليابان على الملأ بسبب جبنها وإحجامها عن مواجهة جرائم الحرب التاريخية التي ارتكبتها، ثم أضاف أن اليابان لا تستحق مقعداً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كانت اليابان قد استعمرت كوريا، وأثناء الحرب العالمية الثانية أجبرت الكوريين على الانضمام إلى الجيش الإمبراطوري الياباني، وهو موقف مشابه لما حدث مع تايوان. وبينما كان الصراع بين الصين واليابان لفرض السيطرة على كوريا يمثل ذروة الدراما في شرق آسيا، لم تكن تايوان تشكل أكثر من استعراض ثانوي، أو مجرد قاعدة أمامية لأسرة كينج الإمبراطورية، أما كوريا فكانت دولة تابعة تدفع الجزية للصين.

   وبعد هزيمة كل من أسرة كينج وروسيا، لم تكتف اليابان بفرض سيطرتها على شبه الجزيرة الكورية، بل لقـد وسعت إمبراطوريتها لكي تضم شـمال شرق الصين. وباعتباره "الأخ الأكبر" لشرق آسيا فـقد أسس جيش كوانتونج الياباني مـدينة مانشوكو في شمال شرق الصين عام 1932. وكانت اليابان تعتزم أن تجعل من مانشوكو نظير الهند بالنسبة لبريطانيا، أو نظير الجزائر بالنسبة لفرنسا، جوهرة التاج الإمبراطوري، فأرسلت مليون مهاجر إلى مانشوكو (مات منهم 800 ألف بعد أن استولت روسيا على مانشوكو في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية) بينما عمدت إلى استثمار رؤوس أموال ضخمة لتنمية الصناعات الثقيلة.

   كانت حكومة نانجينج اليابانية في الصين تحت زعامة وانج جينجوي، مثل حكومة فيشي الألمانية في فرنسا بزعامة هنري فيليب بيتان. ولقد عومل كل من الرجلين معاملة الخونة بعد نهاية الحرب. على النقيض من هذا ونتيجة للاستعمار الطويل تربت لدى تايوان وكوريا عقدة المقاومة وفي ذات الوقت الاتكال على الحكام. وفيما عدا استثناءات قليلة كان النظام الاستعماري يستوعب النخبة المحلية هناك.

   لكن النتيجة كانت متماثلة في كافة أرجاء المنطقة في أعقاب هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية. فقد نشبت الحرب الأهلية في الصين، وتم تقسيم شبه الجزيرة الكورية، أما مستعمرات جنوب شرق آسيا الأخرى، باستثناء تايلاند فقط، فقد لجأت إلى القوة العسكرية طلباً للاستقلال.

   حتى الآن ما زالت الصين عاجزة عن مواجهة تاريخ مانشوكو وتاريخ حربها الأهلية، ناهيك عن فتح الملفات السرية بشأن قرار ماوتسي تونج بإرسال ما يقرب من مليون جندي إلى الحرب الكورية. ومؤخراً فقط فتحت كوريا الجنوبية المحادثات مع الحكومة اليابانية بشأن استرداد رفات العبيد الكوريين. وفي ضريح ياسوكوني باليابان كان أكثر من عشرين ألف جندي تايواني ومثلهم من الكوريين الذين ماتوا من أجل اليابان الإمبراطورية يتلقون فروض العبادة. ومؤخراً بدأت بعض الجمعيات الأهلية في كل من الدولتين في المطالبة بإعادة رفات أولئك الجنود الذين دفنوا في ياسوكوني.

   تعكس هذه اليقظة التايوانية المتأخرة الاعتماد المبكر للحكومة القومية هناك على الحماية من قبَل الولايات المتحدة والمساعدة من قِبَل اليابان. ولم يكن أمام شيانج كاي شك خيار سوى الرد على الشر بالخير حين وعد بالتنازل عن مطالبة اليابان بالتعويض، وحين رتب سراً لرئيس أركان جيش كوانتونج السابق الانضمام إلى جهود تايوان الرامية إلى صد الشيوعيين. والحقيقة أن اليابان لم تعتذر قط عن استعمار تايوان، كما لم تسنح لأهل تايوان الفرصة للنبش في صفحات التاريخ خلال ثلاثين عاماً من الأحكام العرفية المفروضة على تايوان.

في هذا الربيع اشتعلت المظاهرات المناهضة لليابان في نفس الوقت تقريباً في كل من الصين وكوريا، في إطار المساعي التـي تبذلها الدولتان من أجل استغلال ذكرى الهيمنة اليابانية في خدمة بناء هوية وطنية جديدة وتأسيس موقف إستراتيجي جديد. ومثل الأحداث التي جرت في شهرأيار/ مايو احتفالاً بمرور ستين عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا، فلنا أن ننتظر من احتفالات الخامس عشر من آب/ أغسطس إحياءً لذكرى نهاية الحرب في منطقة الباسيفيكي، أن تكشف عن حساسيات تاريخية ما زالت باقية، وما زالت قاسية ومؤلمة. ولكن بخلاف أوروبا فإن الذكريات التاريخية في آسيا ما زالت تقترن بطموحات إستراتيجية حالية.

   منذ مائة عام أدى صعود نجم القوة العسكرية اليابانية إلى تغيير مصير آسيا. ومنذ ستين عاماً أدى زوال قوة اليابان إلى تغيير مصير آسيا مرة أخرى. واليوم مع نهوض الصين على صعيدي الثروة والقوة لكي تنافس اليابان، فإن آسيا تحبس أنفاسها في انتظار تبدد أشباح الماضي.

   أنطونيو شون-نان شيانج كان نائب الأمين العام لمجلس الأمن القومي التايواني في الفترة من عام 2000 إلى عام 2004.

خاص بـ "الغد" حقوق النشر لبروجيكت سنديكيت، 2005.

www.project-syndicate.org

التعليق