منار الرشواني

معارضون لا إصلاحيون!

تم نشره في الأربعاء 10 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

إذا كانت مقولة أن ما يحدث في مصر يلخص حال الأمة العربية ككل هي مقولة صحيحة، فإن علينا أن نقر أن الإصلاح في العالم العربي، الذي مازال شعارا وآمالا ليس إلا، يمر بأزمة تصل حد إطلاق رصاصة الرحمة عليه، وأن هذا الإصلاح بدأ يدخل مرحلة "الموت السريري"،إذا جاز التعبير، بانتظار إعلان موته "الدماغي" الفعلي!

مبعث هذه الرؤية المتشائمة ومبررها هو نتائج مرحلة الترشح للانتخابات الرئاسية المصرية التعددية للمرة الأولى في تاريخ مصر، وهي التعددية التي كانت تعتبر مطلبا أساسيا لانطلاق الإصلاح هناك، وحجر الزاوية فيه. صحيح أن تعديل المادة (76) من الدستور المصري، في ايار الماضي، بما يسمح بتعدد المرشحين للرئاسة، ترافق مع اعتراض أساس فيما يتعلق تحديدا بالراغبين بالترشح من المستقلين غير المنضوين تحت راية حزب ما، من خلال اشتراط حصولهم على تأييد 250‏ عضوا على الأقل من أعضاء مجلسي الشعب والشورى،‏ والمجالس الشعبية المحلية للمحافظات‏، وذلك بالنظر إلى سيطرة الحزب الوطني الحاكم على الغالبية العظمى، إن لم يكن جميع هذه المجالس، بحيث يبدو ترشح أي شخص مستقل أمرا أقرب إلى الاستحالة. إلا أن التعديل، في المقابل، سمح لمرشحي الأحزاب، وعددها 15 حزبا، بخوض الانتخابات باعتبارها غير معنية بالشرط السابق. وعلاوة على ذلك، فإن شعبية السلطة في مصر بدت واضحة وباعثة على التفاؤل لكل أنصار الإصلاح الحقيقيين من خلال الاستفتاء على التعديل الدستوري السابق. إذ بلغت نسبة المشاركين في الاستفتاء 53.62 بالمائة فقط، أيد منهم التعديل، وليس الرئيس مبارك، 82.86 بالمئة. ومثل هذا، وإن كان يحمل إقرارا وقبولا من قبل البعض بكل ما يصدر عن الحكم، إلا أنه يحمل أيضا دلالة حول الرغبة في التغيير لدى البعض الآخر.

لكن، وبالنتيجة، فإضافة إلى الرئيس حسني مبارك، عن الحزب الوطني الحاكم، كان هناك تسعة مرشحين آخرين يمثلون تسعة أحزاب سياسية. وهذا العدد من المرشحين يبدو الهدية الأجمل والأثمن ليس فقط للرئيس المصري، الساعي إلى ولاية خامسة، بل وإلى جميع المستفيدين من الأوضاع القائمة في مصر، سواء أكانوا في الداخل أم في الخارج، والتي لا جدال حول ضرورة إصلاحها! إذ من البدهي افتراض أن جميع المرشحين التسعة في مواجهة الرئيس مبارك، والرافعين حكما لراية التغيير والإصلاح، ينتمون إلى المعارضة، وهم يشتركون من ثم في القاعدة الجماهيرية التي يتوجب عليهم اقتسامها في يوم الانتخابات في 7 أيلول المقبل، وهو بالتأكيد اقتسام سيكون لمصلحة الرئيس مبارك!

وهكذا، فإن البعد الأهم لمشاركة الأحزاب المصرية في الانتخابات القادمة لن تكون سوى منح الشرعية للانتخابات ذاتها، ولسنوات حكم الرئيس المصري القادمة، وهي السنوات التي يبدو جليا أنه ضمنها بغض النظر عن فحوى أي تعديل دستوري، وحتى بوجود انتخابات تضاهي أرقى الديمقراطيات في نزاهتها وشفافيتها، ودونما حاجة بالتأكيد إلى أي تلاعب في الانتخابات القادمة لضمان النجاح فيها، اللهم إلا لتأمين نسبة معينة تتفق وهالة "الإنجازات" السابقة، أو تبرر سياسات قادمة. فالداعم الأكبر في الواقع لحملة الرئيس مبارك الانتخابية، هي ذات الأحزاب المشاركة في الانتخابات، والتي لا تخوض في الواقع معركة الرئاسة، وإنما تخوض معركة إقصاء كل منها للأخرى.

تُرى ألا تدرك الأحزاب المصرية المعارضة هذه الحقيقة، بحيث لم تبادر حتى إلى الالتقاء في محاولة لتقريب وجهات النظر فيما بينها والاتفاق على مرشح واحد، أو على الاقل تخفيض عدد المرشحين، بما يضمن عدم تشتت الزخم "الإصلاحي" المعارض؟! أم ترى أن هذه الأحزاب تعرف في قرارة نفسها أنها غير قادرة على الحكم، وأن المكان الانسب لها هو المعارضة، وأن محافظتها على هذا الدور يقتضي منها المحافظة على السلطة ذاتها، وفقا لمبدأ التعايش؟ أم ترى أن الجميع أو الأغلب ينهل من معين أميركي واحد، قام بتحديد الأدوار سلفا، وبما ينسجم وأجندة المصالح الشخصية لـ"الإصلاحيين"؟!

كل تلك التفسيرات يمكن اعتبارها سيئة النية أو مغرضة، أما التفسير حسن النية والمنطقي في آن، فهو أن المعارضة ليس لديها قواسم مشتركة حقيقية لما بعد شعار الإصلاح باتجاه تفعيله على الأرض، وأن أي انتخابات قادمة، وفي أي بلد كان، ستكون أحادية النتيجة مهما تعددت الخيارات، وهي بقاء السلطة القائمة.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق