إبراهيم غرايبة

هل تواجه المقالة الصحافية أزمة؟

تم نشره في الأربعاء 10 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

  نعم، ولكنها على الأغلب أزمة ذاتية وليست موضوعية، بمعنى أن مشكلة المقالة الصحافية في الكاتب وليس في البيئة المحيطة بالصحافة والجمهور والإعلام، فربما تزايدت الحاجة إلى المقالة في الإعلام الجديد، ولكنها حاجة إلى مقالات مختلفة عن الاتجاه الغالب في الصحافة الأردنية والعربية.

  لقد حولت موجة الاتصالات والمعلوماتية كثيرا من وظائف وأدوار الصحافة، فزادت أهمية بعضها، ونشأت أدوار ومهمات جديدة، ويفترض في المقالة الصحافية أن تخضع لتحولات كثيرة وجذرية في محتواها وطبيعة كتابها.

  فقد ألغت الشبكية في الإعلام حالة الحتمية والاحتكار التي كانت تتمتع بها إدارات الصحف، فكانت خيارات الجمهور محدودة، وليس أمامه سوى قراءة ما يقدم له في الصحف المحلية أو التي يسمح لها بالعبور، وكانت الصحيفة مصدرا أساسيا للأخبار، وتفيد المقالة في الإطلاع على الآراء والاتجاهات والتعليقات والأسئلة التي يبحث عنها القارئ.

  وفي حالة كهذه كان يسهل على الصحف أن تختار كتاب المقالات وفق اعتبارات شتى قد يكون آخرها المهنية والثراء الصحافي والفكري وإغناء الأخبار والقضايا الجارية والمطروحة.

  ولكن الإمكانيات الجديدة بلا حدود والتي أتيحت للقارئ العادي ليطلع على جميع الصحف في العالم منذ ليلة صدروها أي قبل توزيعها بساعات عدة، وتدفق الأخبار والمعلومات بلا حدود أيضا وبسهولة فائقة تجعل جميع الناس قادرين على الاطلاع والمتابعة يفترض أن تغير كل اعتبارات اختيار موضوعات الكتابة ومجالاتها واختيار الكتاب أيضا.

  الكتابة الصحافية تحتاج أن تكون في المرحلة الجديدة قادرة على متابعة الأخبار المتدفقة بالتحليل والتدقيق والتمييز والمتابعة والمراجعة، وأن تسابق حاسة المواطن واستشعاره للمشكلات والقضايا والمعلومات المتدفقة حوله.

   ويحتاج القارئ إلى بوصلة تعينه في الإغراق الإعلامي المحيط به ليتعامل مع الأخبار والمعلومات بقدر من التمحيص والسؤال يعينه على التمييز، وأن يرشده في  قراءات للإصدارات الجديدة من الكتب والمجلات والمقالات والتي تصدر كل يوم بأعداد هائلة تفوق القدرة على المتابعة والاطلاع.

   فالمقالة الصحافية يفترض أن تندرج في عمليات"تنظيم المعرفة" التي توفر للقارئ خدمة منهجية يحتاج إلى وقت طويل وخبرات معقدة ليحصل عليها بدون عمليات تنظيم المعرفة هذه، وأن تكون المقالة مصدره الأساس في فهم الأحداث ومتابعة الإنتاج الفكري، وتحليل التقارير والإحصاءات، والإحاطة الجارية بالحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وربما لا يحتاج القارئ إلى رأي الكاتب وتعليقه إلا بمقدار كونه إجابة لسؤال أو ترجيحا لإجابات عدة مفترضة.

  ولكن هل يوجد هذا الكاتب القادر على توفير هذه الخدمة وبأعداد كافية لتلبية احتياجات الصحف؟ فالصحف الأردنية تنشر كل يوم بمعدل مائة مقال على الأقل. وربما يؤيد المقولة السابقة اختفاء ظاهرة الكاتب"السوبر" الذي يملك سطوة وحظوة وقدرة فائقة على التأثير، فهذه القدرة كان سببها حتمية التلقي على القارئ، فجعلت الفرص الجديدة في الانتقاء والاختيار كثيرا من الكتاب إن لم يكن معظمهم انتهت صلاحيتهم.

  وقد يكون من الأفكار والخيارات المطروحة الاستغناء عن المقالة الصحافية، وربما تراجع أو حتى اندثار هذا اللون من الكتابة، كما يحدث للقصة القصيرة على سبيل المثال، والاكتفاء بتقديم المعلومات والخدمات الصحافية المختلفة، ويربط البعض بين استمرار المقالة الصحافية وبين غلبة الجيل الجديد، فيتوقعون أن تختفي المقالة الصحافية بعد فناء الجيل الحاضر ممن تزيد أعمارهم على الأربعين عاما لأن قراءة المقالة تكاد تكون محصورة في هذا الجيل.

   وبالطبع فإن الإعلام برمته يخضع للمراجعة والتغيير، فنحن مقدمون على إعلام جديد مختلف كليا عن الإعلام السابق، وربما يكون أهم ملامحه التفاعل والمشاركة بين القراء والإعلاميين، وتلمس احتياجات ورغبات الجمهور على نحو أكثر موضوعية ويخلو من المؤثرات والقيود السياسية التي كانت تفرض الذوق والرغبة والقناعة والتفكير المحدد مسبقا.

وربما وهذا المرجح ألا تختفي الفنون والاتجاهات الصحافية القائمة لكنها ستخضع لأسس جديدة في اختيار العاملين قائمة على التنافس الحر المفتوح، وفي جميع الأحوال ومهما كانت التحولات الحضارية والتقنية فإن القاعدة "القارئ الجيد يصنع كاتبا جيدا" ستبقى صحيحة وحاكمة في العمل الإعلامي والثقافي.

 [email protected]

التعليق