على هامش الحدث الإيرلندي الأخير

تم نشره في الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

 أن يعلن "الجيش الجمهوري الايرلندي" نزع سلاحه والتحول الى السياسة فهذا حدث تاريخي يتعدى, في اهميته, ايرلندا الشمالية, بل يتعدى بريطانيا ايضا, فما لم تنجح "اتفاقية الجمعة العظيمة" الموقعة في 10 نيسان "ابريل" 1998 والمرعية دوليا, في انجازه, ربما وضع هذه المرة على طريق الانجاز, وهذا يعني, في حال صحته, أن دور الارهاب الذي تعرضت له لندن مؤخرا في تغيير موقف الجيش الجمهوري, كان اكبر من دور الولايات المتحدة وسائر الدول التي تدخلت وتداخلت لوضع"اتفاقية الجمعة العظيمة" موضع التطبيق, وهو ما لم يكن ليحصل بفعل القرف من الارهاب وحده, بل جاء تتويجا لمسار مديد حضنه المجتمع الايرلندي الشمالي بما فيه شقه الكاثوليكي"العاصي", فقد تنامى رفض العنف شاملا قطاعات متعاظمة من السكان, فيما كانت تتكاثر "التجاوزات" الخطيرة, بما فيها اعمال قتل وتهريب, مما تورط فيه الجيش الجمهوري وكان بعض ضحاياه من جمهوره الكاثوليكي نفسه.

   والى هذا الانفضاض عن الارهاب من قبل قاعدة دعمه التقليدية, مارس نموذج الجمهورية الايرلندية "ايرلندا الجنوبية" جاذبية خاصة في الدفع باتجاه السلم, فالجمهورية المذكورة, وهي كلها كاثوليكية المذهب, حققت في العقد الماضي, ولا تزال تحقق, تقدما هائلا في مجال الاقتصاد المعلوماتي وما بعد الصناعي.

  هكذا انتقلت مداخيل السكان في غضون 15 سنة, من فئة المداخيل المنخفضة بين بلدان القارة الاوروبية الى فئة المداخيل الأكثر ارتفاعا, وقد بدأ سكان الشمال يتأثرون بهذا التحول, ويتعاظم لديهم الربط بين الاستقرار والامن من جهة وبين الرفاه المادي من جهة اخرى, وقد عزز هذا المنحى اتساع نطاق القناعة بين كاثوليك الشمال بأن الوحدة الايرلندية التي ولد الجيش الجمهوري لأجلها غدت وهما مكلفا لا يريده الكاثوليك الجنوبيون انفسهم ممن بات التقدم الاقتصادي يستحوذ على جل اهتمامهم.

  وما يلفت النظر في هذا كله ان الارهاب الايرلندي, على عكس الارهاب الاسلامي الراهن, يتأثر بالتحولات التي تطرأ على مجتمعه, كما يستجيب للرغبة في تحسين الاوضاع المادية للسكان, وهذا انما يعود الى طبيعته المغايرة لطبيعة الارهاب البنلادني والزرقاوي, فالاول ارهاب مطلبي ان صح التعبير, اي ان لديه مطالب يسعى الى انفاذها, ويمكن تاليا التفاوض معه حولها, كما يمكن له ان يمتحن سلوكه, نجاحا واخفاقا, وان يعيد النظر فيه, على ضوء اقترابه منها او ابتعاده عنها, وهو جميعا ما لا يتوافر في الارهاب الثاني.

  بيد ان اهمية ما تحقق لا تكتمل من دون وضعه في سياقه التاريخي, فالمشكلة الايرلندية انما يؤرخ لابتدائها بالقرن السابع عشر حين انطلقت حركة الاستيطان فيها من انكلترا واسكتلندا.

  وما لبث اوليفر كرومويل بعد انتصار حركته البرلمانية والبروتستانتية في الحرب الاهلية ان دفع السياسة الاستيطانية خطوات الى الامام, فغزا كامل التراب الايرلندي وأخضعه للاستيطان, وبعد نصف قرن, أي في 1690 ألحقت جيوش الملك البروتستانتي وليم أوف اورانج الهزيمة بالجيش الكاثوليكي وملكه جيمس في معركة بوين, مما عزز طموح وليم لتسنّم العرش الذي بات يضم ايرلندا. ومع نهاية القرن السابع عشر بلغ الاستيطان كثافة غير مسبوقة في ألستر, اي الشطر الشمالي, لم يستطع وقفها عداء سكانها الكاثوليك للمستوطنين, واستمر الاخضاع على النحو هذا حتى العام,1912 آنذاك ظهر سياسي بروتستانتي في الشمال هو السير ادوارد كارسون فشرع يحرك العصبية البروتستانتية ضد هيمنة المناطق الكاثوليكية ومطالبتها بالحكم الذاتي, مؤكدا على الوحدة مع انكلترا, وما لبثت ردة الفعل ان ظهرت, بعد اربع سنوات, حين نشبت"انتفاضة الفصح" الكاثوليكية التي شنق البريطانيون على أثرها 15 كاثوليكيا من قادة العصيان, بينما كانت القوات البروتستانتية تقاتل في الحرب العالمية الاولى بوصفها جزءا عضويا من الجيش البريطاني, وبانتهاء الحرب العالمية الاولى افتتح اول برلمان لايرلندا الشمالية في 1921 - 22 19 لكن الكاثوليك شنوا حرب عصابات شرسة فرضت على لندن منح الايرلنديين حكما ذاتيا جزئيا, وما لبثت ان نشأت دولة ايرلندية شبه حرة فوق المقاطعات الجنوبية الـ 26 ذات الصفاء السكاني الكاثوليكي, بقيادة الزعيم الوطني مايكل كولينز, على أنّ الجيش الجمهوري الذي رفض التقسيم كما رفض ابقاء الشمال المختلط في عهدة بريطانيا, اقدم على اغتيال كولينز الذي ردت حكومته بإعدام قادة الجيش المذكور.

  والحال ان كولينز لم يكن مخطئا في رهانه على نيل الاستقلال بالتدريج, ففي 1949 اصبح الجنوب جمهورية كاملة الاستقلال , بينما راح الجيش الجمهوري يصعّد عملياته العسكرية في الشمال, ومذّاك والحرب دائرة لتبلغ ذروتها مطالع السبعينيات مع انتقال الجنود البريطانيين لادارة الشمال في صورة مباشرة.

 بطبيعة الحال يقفز هذا الاستعراض السريع فوق تفاصيل بالغة الاهمية في مسار الصراع الايرلندي, لكن المقصود هو التذكير بالعمق والتعقيد التاريخيين لنزاع ربما كان الايرلنديون على وشك مبارحته نهائيا, وهذا, في حال حصوله, يرتب نتيجتين قد تتمتعان ببعض الدلالات العربية والاسلامية:

  فمن جهة, يفضي انتهاء المشكلة الايرلندية المديدة الى انتهاء الاستثناء الايرلندي في اوروبا, وفي ما خلا جيوبا ارهابية اقل اهمية واصغر حجما, كحركة "ايتا" الباكسية في اسبانيا او الحركة الكورسيكية في فرنسا, يمكن القول ان اوروبا كلها باتت تخلو من العنف الارهابي وتندرج في السياسة المتمدنة, اما من جهة اخرى, فسوف يجد الكثيرون ما يقوي حجتهم في ان العالم يخوض"صراع حضارات" حيث يقف الغرب واحدا موحدا في جبهة "الخير" ويقف العالم الاسلامي الذي "يحتكر" النشاط الارهابي في الجبهة الاخرى, وهي مسألة ينبغي ان تثير فينا بعض القلق المشروع.

كاتب لبناني مقيم في بريطانيا

التعليق