الإعلام الإسرائيلي والعملية الإرهابية في شفاعمرو

تم نشره في الأحد 7 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

  في الزمن الذي يصبح فيه دم الانسان أرخص مما نتصور، وسقوط الابرياء يوميا بالعشرات، قد يسأل سائل علام هذه الضجة حين يقتل أربعة اشخاص في مدينة شفاعمرو الفلسطينية الواقعة بين الناصرة وحيفا؟! فها هي بغداد تعد يوميا العشرات، وفي شطر فلسطين الثاني الوضع ليس "أفضل كثيرا"! وإذا كانت المسألة احصائية ومجرد عدد قتلى، فبالامكان الاكتفاء بسطر في موجز الانباء.

    لكن الحقيقة أبعد من ذلك. فإذا كان منفذ العملية الارهابية مجرد ارهابي يهودي قام مواطنون من شفاعمرو بتصفيته ضربا في الموقع وحالا، فإن المنفذ الحقيقي والأساسي أكبر من ذلك الإرهابي، إنها المؤسسة الحاكمة التي حرّضت، ولا تزال، على الفلسطينيين في وطنهم منذ أكثر من 57 عاما، وتعتبر ان خطأها الأكبر هو السماح لـ170 ألف فلسطيني بالبقاء في وطنهم في عام النكبة.

    هذه المؤسسة الحاكمة التي لا تزال تسن القوانين العنصرية ضد العرب، تلك القوانين التي لا يمكن ان تجد لها مثيلا في العالم. ولو ان نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا لا يزال قائما، لاستفاد جدا من كتاب القوانين الاسرائيلي لينسخ عنه قوانين كثيرة نقصته، هي من ابداع العقلية الصهيونية العنصرية، وهذا طبعا بالاضافة الى انظمة مكتوبة وغير مكتوبة، ومزاجات مسؤولين يستغلون صلاحياتهم لحجب الميزانيات والحقوق عن العرب، وهو ملف اسود عمره اكثر من 57 عاما، لا نزال بعيدين جدا عن رؤية الصفحة الأخيرة منه.

    فالارهابي الذي نفذ العملية، نما وترترع على سياسة الاحتلال والعنصرية الرسمية التي انتهجتها حكومات اسرائيل المتعاقبة؛ لقد تعلم وتثقف على أنه بالامكان قتل العربي، إذ إن أقصى ما يكون من عقاب هو بضعة أشهر او بضع سنوات ليسرع رئيس الدولة الاسرائيلية باصدار العفو عنه، كما حصل ويحصل في عشرات الحالات.

    إن قمة العنصرية والاستهتار في اسرائيل تجلت في وسائل اعلامها، المكتوبة والمرئية والمسموعة. فحال وقوع الجريمة، شرعت بعض القنوات التلفزيونية والاذاعية تعلن ان "جنديا عربيا" اطلق النار على ركاب حافلة في مدينة شفاعمرو، على خلفية شجار بين ركاب الحافلة، بشكل جازم دون تأتأة او اعطاء فرصة للتراجع. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأ "محللون" يتكلمون عن الشجارات العائلية و"الحمائلية" عند العرب، وذهب احدهم إلى طرح ما أسماه "القضية الطائفية"، غير الموجودة اصلا بين صفوف فلسطينيي 48.

     وفجأة أصاب الخرس المحللين ومعهم المراسلين، بعد ان تبين بسرعة ان القاتل هو ارهابي يهودي من حركة كاخ الارهابية، حتى بموجب القانون الاسرائيلي. فعمليا، نحن امام عملية ارهابية، وهنا انتهى البث في غالبية قنوات اسرائيل، باستثناء واحدة هي القناة العاشرة للتلفزيون الاسرائيلي، وانتقلت تلك المحطات الى برامجها الاعتيادية، وبشكل خاص الترفيهية منها، على الرغم من انه حين تقع عمليات تفجيرية في مدينة يهودية فإن محطات التلفزة والاذاعة تقطع برامجها لساعات طويلة لتبث الحدث، حتى لو أسفر عن جرحى او مجرد صدمة لأحد المارة، ناهيك عن مضامين التحريض على كل من ولدته امه عربيا، كائنا من كان!

    ومن المذهل انه بعد اتضاح الصورة، ومن ضمنها ان اهالي شفاعمرو قتلوا الارهابي ضربا، فقد اصبح قتل اليهودي هو مركز الحديث، وليس جريمة قتله لأربعة فلسطينيين وجرح ثمانية! ولتصل الوقاحة بأحد مذيعي الاذاعة الاسرائيلية الاخبارية، ويدعى آرييه غولان، إلى أن يسأل أحد العرب حول ما إذا كان "يستنكر قتل اليهودي ضربا؟"!

وكانت الصحف الاسرائيلية ملآى في اليوم التالي بالحديث عن قتل اليهودي، دون التركيز في تقاريرها على الضحايا، كما يكون الحال حين يكون الضحايا من اليهود. كما راحت هذه الصحف تتساءل وتحلل ما إذا كان من الممكن أن ينتفض الفلسطينيون في اسرائيل، وأن تنتقل الانتفاضة الى داخل شوارع اسرائيل؟

    بعد ساعة كنت في مكان العملية، وكان بالامكان سماع المراسلين الاسرائيليين يطرحون سؤالهم الاول: "كيف تم قتل اليهودي؟". وهنا لم يكن ثمة مكان لعامل الخوف، فقد وجد المراسلون الإسرائيليون آلاف الاشخاص المستعدين لتبني قتل اليهودي، وباعتزاز، لقد حاصروا الحافلة لخمس ساعات، ومنعوا الشرطة من اخراج جثة الارهابي لضمان موته.

    من باب الانصاف، فإن هذه التغطية الاعلامية العنصرية لاقت ايضا انتقادات حادة من قبل في صحيفة مثل صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية التي تميل الى تيار اليسار الصهيوني، رغم انها أفردت صفحتها الثانية لعائلة الارهابي، علما ان ما صدر عن هذه العائلة كان ادانة للحكومة والجيش، بعد ان كانت العائلة نفسها حذرت الاجهزة الاسرائيلية من خطورة ابنها، لكن تلك الأجهزة لم تفعل شيئا.

    ومن مشاهد العنصرية، أيضا، تلك التي ظهرت بقوة في تعليقات قراء مواقع الانترنت الاخبارية الاسرائيلية؛ فهناك نسبة جيدة، ولا نستطيع القول انها أغلبية، بررت العملية الارهابية ودافعت عن المنفذ، وتلك المليئة بالتحريض على العرب، علما أن هذه الردود مراقبة، وكثيرا ما يتم شطب الردود التي لا تتلاءم مع مزاج المحرر وعقليته الصهيونية، لكن في هذه الحالة كانت العنصرية في أوجها.

    لقد وجدت اسرائيل -بحكامها- نفسها عارية، واضطر رئيس حكومتها آرييل شارون إلى الاعتراف بأن منفذ العملية ارهابي. كما أنه اجرى اتصالات مع قادة فلسطينيي 48 "ليستنكر"، وليبلغهم انه هو نفسه مهدد من هذه العصابات الصهيونية. وزاد الحرج حين امتلأت شفاعمرو بمئات الصحافيين وعشرات قنوات التلفزة ووكالات الانباء من كل بقاع الارض، والتي سمعت ونشرت مآسي فلسطينيي 48، نتيجة ما يواجهونه من سياسة عنصرية مخططة ومبرمجة.

    الكلمة الأخيرة هي لوسيلة اعلام عربية عريقة، ونقول لها: ان الدم الفلسطيني المسفوك في شفاعمرو كان يستحق اكثر من خبر موجز بمئة كلمة، وأكبر من خبر عن الجنازة في اليوم التالي لم يصل الى 150 كلمة!

صحافي فلسطيني وكاتب سياسي مقيم في الناصرة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »nk_nk60t@yahoo.com (شهاب)

    الثلاثاء 19 أيلول / سبتمبر 2006.
    حرام اللى بيحصل فى لبنان وفلسطين والله حرام وربنا مايرضى بهذا ابدا. شكرا مع تحيات الباشا محمد تيتو.