أردني بلا طموح

تم نشره في الأربعاء 3 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

حين كانت الحكومات تعجز عن حل مشكلاتنا الاقتصادية، اخترع البعض حالة تضخيم لثقافة العيب، التي وضعت اللوم على الاردنيين لعدم قبولهم العمل بأي مهنة. والامر يحدث في جانب من جوانب المجتمع، لكننا خضعنا لعملية تهويل بحيث بدا الامر وكأن المشكلة في عزوف الاردنيين عن العمل وليس في عدم وجوده.

القصة التالية لشاب اردني من احد الوية شمال الاردن، حاصل على الشهادة الجامعية في العلوم السياسية من جامعة مؤتة منذ العام 2000. هذا الشاب طرق ابوابا عديدة؛ ومطلبه وغايته الحصول على عمل. وهذا العمل ليس على طاولة وكرسي ومكتب، بل في اي وظيفة، حتى على اساس شهادة الثانوية العامة. وكما يقول في اتصالاته ورسائله الى المسؤولين، فإنه "يرغب في الحصول على لقمة العيش بشرف وكرامة وامانة ومسؤولية، دون الحاجة الى مد يده لسؤال الاخرين".

وهذا المطلب المباشر والواضح نوع من رغبة صادقة في ان لا يسجن نفسه في شهادته الجامعية، ولانه يحمل على عاتقه رغبة في مساعدة والده للحصول على لقمة العيش؛ فالوالد المكافح متقاعد من وظيفة صغيرة من احدى الوزارات، ويتقاضى راتبا تقاعديا مقداره 141 دينارا، اي اقل من راتب صندوق المعونة الوطنية، ولديه اسرة كبيرة، وابنة اخ له توفي زوجها شهيدا. ويقوم الوالد على رعاية كل هؤلاء، وكافح حتى وفّر لابنه -الساعي الى لقمة الخبز- دراسة جامعية، كما ويؤمن تكاليف الدراسة لابن اخر في احدى الجامعات.

هذه القصة ليست حكاية اسرة فقيرة كريمة، لكن فيها قضية. فالشباب الاردني الذي يحمل على اكتافه فقر اسرته، وعلى عاتقه امل ان يساعد اباه، يبحث عن اي وظيفة، والغاية تأمين مصدر دخل. ولو كان هذا الشاب ابن مسؤول كبير لما انتظر خمس سنوات منذ حصوله على البكالوريوس في العلوم السياسية، وربما كان الان موظفا في وزارة الخارجية او احدى المؤسسات الهامة، لكنه يرضى بالانتظار على الدور في قاعة ديوان الخدمة المدنية، وحلمه وظيفة لشراء الخبز والشاي والعدس والأرز لاخوانه.

"انني ارغب في الحصول على لقمة العيش بشرف وامانة"، شعار تعدى حدود هذا الاردني الذي لم يسمع عن برامج "ارادة" و"انجاز"، ولم يشارك في منتديات الشباب؛ فحلمه لقمة الخبز، وان يقدم عونا لوالده في مسيرة الحياة الشاقة.

اينما ذهبنا في الاردن سنجد مثل هذه القصص، لكن هذا الشاب -الذي احتفظ بعنوانه ورقم هاتفه لمن اراد ان يساعده في الحصول على لقمة العيش بشرف- يمثل حالة اجتماعية، ودليلا ساطعا على اننا اغرقنا انفسنا في شكليات ومظاهر ادارية ومؤتمرات وارقام لم تستطع ان تصل الى اعطاء هذا الاردني وامثاله اكثر من طموح بوظيفة، حتى لو كانت عاملا في مصنع او ورشة بلدية، للحصول على لقمة العيش.

[email protected]

التعليق