عن السجال البريطاني حول الإرهاب

تم نشره في الثلاثاء 2 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

    لدى متابعة الصحافة والأحزاب البريطانية في ما تقوله عن الارهاب والارهابيين، والاسلام والاسلاميين، يلاحظ صوتان، هما - في أغلب الظن- خاطئان، وان هبّ كل منهما في وجهة تعاكس الوجهة التي يهب فيها الآخر.

    فهناك خطأ "اليمين"، ويتجلى أكثر ما يتجلى في صحافة "التابلويد"، وبعض السياسيين المحافظين، كما في بعض مقالات صحف نوعية كـ"ديلي تلغراف" و"ذي تايمز". وهو اذ يبدأ مؤيدا بحماسة للاجراءات الأمنية الأخيرة التي اعتمدتها حكومة توني بلير، معززا أسباب الخوف ومفاقما اياها، ينتهي داعيا الى مزيد من الاجراءات المشابهة ومحرضا عليها. وفي هذا التوجه، يبدو واضحا التأثر بالنموذج الاميركي لما بعد جريمة 11 ايلول 2001، بيد ان ملامح اخرى تسم هذا الوجه المتشدد، قد يكون أبرزها اثنين:

من جهة، وضع "التهديدات لبريطانيا والبريطانيين" الكل في سلة واحدة، بحيث يدرج الارهابيون في الخانة التي يدرج فيها السكيرون واللصوص واصحاب السوابق، فضلا عن طالبي اللجوء السياسي من دون تمييز بينهم، وهم الذين يصار الى التحريض عليهم بذريعة انهم يفيدون من أموال دافع الضريبة البريطاني قبل ان يقتلوه!

    ولا يلبث ان ينتقل اصحاب هذا الرأي الى المطالبة بالتشدد في مسائل الحقوق المدنية، والتخلي عن التقيد بشرعية حقوق الانسان الاوروبية، لان التزاما كهذا "يضعفنا" حيال الارهابيين.

     ومن جهة اخرى، يلاحظ عدم التوقف طويلا عند حقيقة ان الارهابيين، الباكستانيي الأصل، هم من مواليد بريطانيا، فيما يتم التركيز - في المقابل- على الاسلام، الذي يكمن الخطر فيه وفي تعاليمه والقائلين بها، كائنين من كانوا، وكائنة ما كانت ظروفهم الاجتماعية. وقد غذى اكتشاف الاسهام الصومالي في النشاط الارهابي ميلا كهذا؛ فرأى أحد كتاب صحافة التابلويد "ان الاسلام هو الذي جعل بعض الافارقة خطيرين، على خلاف الافارقة غير المسلمين ممن يعانون ظروفا اجتماعية مشابهة". وغني عن القول ان هذا النوع من الحجج تقيم فيها نظريات صراع الحضارات وصراع الأديان وما شابهها.

    بيد اننا لا نعثر في هذه الآراء على اي ذكر للعراق او فلسطين او سواهما من القضايا السياسية او الاقتصادية التي تثار عادة كلما أثيرت مسألة الارهاب وما يتصل بها. على العكس تماما، يجادل أصحاب الآراء المذكورة، وبحدة تشكيكية واحيانا تخوينية، ضد كل من يحاول ربط الارهاب بأي سبب كان.

    وهناك، في المقابل، خطأ "اليسار" الذي يتجلى في بعض اليسار العمالي من نقاد توني بلير، كما في يساريين خارج حزب العمال الحاكم، وفي بعض المقالات التي تنقلها صحف نوعية كـ"الغارديان" و"الاندبندنت". وهنا ينصب التركيز، المهجوس بمكافحة بلير وسياسته، على نقاط خمس:

    الاولى، نفي ان يكون للاسلام، بوصفه دينا وثقافة، اي دور في النشاط الارهابي. ومن ثم، يصار الى تقديم كل الكلام "الهنتنغتوني" لغوا في احسن احواله، وهرطقة في اسوئها.

     والثانية، التركيز على ان الارهابيين ولدوا وعاشوا في بريطانيا، وهو ما ينبغي ان يسلط الضوء على الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وعلى الشروط التعليمية والسكنية، فضلا عن الاستبعاد الثقافي الذي تخضع بيئتهم له. ويترتب على هذا ان الكلام عن الاسلام، في كل زمان ومكان، كلام الى الخرافة أقرب.

    والثالثة، اعطاء الاولوية في تحليل الارهاب لحرب العراق، والرغبة في تقديمها بوصفها الخطيئة التي لا تغفر لتوني بلير وحليفه جورج دبليو بوش، من غير ان يخلو الأمر من اشارات مماثلة الى السياسات الاسرائيلية حيال الفلسطينيين.

    والرابعة، التذكير بأن اكثرية المسلمين البريطانيين الغالبة لا تؤيد الارهاب، ولا تقر عمل الارهابيين. وكان استقصاء للرأي العام قد اكد ان 5 في المئة فقط من جميع مسلمي بريطانيا، و7 في المئة ممن هم دون الـ35 عاما، يعتقدون بأن المزيد من العمليات الانتحارية قابل للتبرير.

     واخيرا، التحذير من نيات شيطانية لدى بلير وحكومته لاستخدام النشاط الارهابي ذريعة لاستيراد النموذج الامني الاميركي، والتجاوزات على الحريات العامة، فضلا عن تحقيق درجة أعلى من الالتحام بالسياسة الاميركية في العراق وغير العراق.

    والراهن ان كلا من الموقفين يملك عددا من العناصر التي يمكن الدفاع عنها، بقدر ما يملك عناصر تجعله خاطئا. فـ"اليمين"، من دون نزعته التعميمية الساحقة، يضع يده على ضرورة الاصلاح الديني في الاسلام، على النحو الذي تعرضت له المسيحية من قبل، وجعلها أشد تكيفا مع العصر الذي تعاصره. فمن دون اصلاح كهذا، لن يكون من السهل على المسلم ابداء الولاء للجماعة الوطنية التي يعيش في كنفها على حساب "أمة الاسلام" المفترضة. واذا كان مما لابد منه اعتماد بعض الاجراءات الأمنية المتشددة، يبقى الخوف مشروعا من حدوث تطاول على القانون يدفع ثمنه الابرياء قبل المذنبين، او من انكفاء عن التزامات أخلاقية وانسانية هي التي تضع بريطانيا في صف الأمم المتمدنة.

     وبالمعنى نفسه، فان النوايا الأخلاقية والانسانية الرفيعة التي يعبر عنها بعض "اليسار" هي ما لا يجوز تقديمه هدية لارهابيين لا تراودهم أي من هذه النوايا، ولا يحترمونها أصلا. كذلك، يبقى مدعاة للشبهة خلط هذه التوجهات السامية والمعادية لكل عنصرية بميل لا يكلّ الى تصفية الحسابات مع توني بلير أو غيره. فاذا صح ان سياسة لندن الحربية التي اتبعت في العراق مسؤولة جزئيا عن الارهاب، وانها ربما استدعت بعض التفكير واعادة النظر، بقي ان المسألة أعمق بكثير وأعقد من حصرها بعامل واحد.

    وتصح دائما المطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية وفرص التعليم والعمل للمسلمين كما لغير المسلمين. وبالقياس نفسه، يصح دائما الدفاع عن الدين والثقافة الاسلاميين، ورفض اتباع موقف عنصري او شبه عنصري حيالهما. بيد ان ما ينطبق على حرب العراق، لجهة جزئيتها في التسبب بالظاهرة الارهابية، ينطبق على الوضع الاجتماعي والتعليمي، أما ان يتحول الدفاع عن الاسلام الى موقف رافض للاصلاح الديني، أو غير متنبّه الى ضرورته، فهذا ليس بالخدمة الجليلة التي تسدى الى المسلمين.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق