إبراهيم غرايبة

السعودية وسطية راسخة

تم نشره في الثلاثاء 2 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

  استطاعت القيادة السعودية في مرحلة مبكرة قبل تدفق النفط أن تقيم دولة واسعة مترامية الأطراف، ولكنها مستقرة وتخطو بسرعة وإصرار نحو التحديث والتعليم والتطور، وعندما دخلت في مرحلة النفط واصلت عمليات واسعة وعملاقة من التنمية في البنى والمرافق الأساسية ودورا سياسيا دوليا وإقليميا مؤثرا ومعتدلا.

  كانت السعودية في مرحلة الموجة الثورية تبدو تقليدية محافظة، وبعد انحسار هذه الموجة ظهرت متميزة عن المشروع الأمريكي ومختلفة معه إلى درجة كبيرة، والواقع أنها لم تتغير، ولكنها في مرحلة التطرف كانت تبدو وراء الرفاق المناضلين ضد الإمبريالية العالمية، وعندما تكشف أن التطرف اليساري يغطي في العادة تطرفا يمينيا وكأنهما توأمان أو وجهان لعملة واحدة تبين عندها التقدم السعودي في الوسطية الدؤوبة بما تعنيه من تضحيات وتراكم للمكاسب الصغيرة واحتمال للمخاسر، أو الكسب بالنقاط وليس بالضربة الحاسمة المستحيلة عمليا في الواقع والسياسة.

  وعندما بدا في منتصف التسعينيات بعد تحول الرفاق إلى الجهة المضادة تماما وبقيت السعودية في موقعها فصارت في مواجهة مباشرة وعلنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وليس بعيدا عن هذا الخلاف ما جرى في السعودية من عمليات عنف استهدفت المدنيين والمراكز التجارية في المدن السعودية على نحو فيه ابتزاز وتهديد أكثر مما هو تطرف وغلو.

فقد استهدفت السعودية في المرحلة التي كانت فيها سياساتها ومواقفها هي الأقرب من مناصرة وتأييد قضايا العرب والمسلمين، والتصدي للهيمنة والاحتلال، ثم هي تمضي في برامج إصلاحية لتحقيق مزيد من المشاركة والحريات أفضل من أية فترة سابقة. فما الذي تغير إذن؟ ولماذا تجري هذه الفظائع في السعودية دون دول أخرى هي في أحسن وصف لا تختلف عنها في سياساتها ومواقفها، بل هي أبعد عن الإسلام وأقرب إلى الولايات المتحدة؟

  ما تغير هو السياسات الأمريكية، فمنذ منتصف التسعينيات بدأ الخلاف بين السعودية والولايات المتحدة حول السياسات العالمية والقضية الفلسطينية، فالولايات المتحدة الأمريكية لم يعد يروق لها تبادل المصالح بين الدول، وبدأت تسعى في عملية إلحاق وفرض تبعيّة سياسية واقتصادية لدول العالم، وتمثّل السعودية عقبة كبيرة أمام مشروعات الهيمنة السياسية والاقتصادية العالمية، ففي مواقفها السياسية من القضايا العربية والإسلامية، وأهمها قضية فلسطين والعراق، وفي برامجها وسياساتها الاقتصادية مظلة تحتمي بها دول ومجتمعات كثيرة، وتستفيد في كفاحها لتحقيق التنمية والنهوض أكبر بكثير مما يبدو للوهلة الأولى.

  فالملايين الستة من غير السعوديين الذين يعملون في السعودية تشكل حِوالاتهم المالية جزءاً أساسياً من اقتصاديات عشرات الدول يحميها من العجز التجاري أو يخفف منه كثيراً، وتشكل دعماً كبيراً لشبكات عملاقة من الأسر والمشروعات الاقتصادية والتنموية الصغيرة، وتقوم عليها مصالح ومنظومات اقتصادية حول العالم، والاستثمارات السعودية تشغل حراكاً اقتصادياً واجتماعياً في عشرات الدول تعتمد عليه الدول والمجتمعات، والمساهمات السعودية في الصناديق والهيئات الدولية والإقليمية مثل: بنك التنمية الإسلامي، ومنظمات الجامعة العربية، والأمم المتحدة، والمؤتمر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، والمكاتب والمنظمات المتفرعة عنها، وغيرها كثير تحقق قدراً مهماً من التضامن والعمل الإقليمي والعالمي المشترك، وتساعد الدول وتحميها من الهيمنة والإلحاق، والمجتمع الأهلي السعودي يساهم في شبكة من التبرعات والمساهمات تقوم عليها ملايين المؤسسات من المساجد والمدارس والكليات والمستوصفات والمراكز الطبية وآبار المياه وكفالات الأيتام والمشروعات التنموية.

  وبالمناسبة فإنها تجربة مدهشة يجدر بالعالم أن يستفيد منها، تقوم على شراكة مبدعة بين المجتمع الأهلي السعودي من المؤسسات والتجار والمحسنين والمواطنين السعوديين العاديين والمغتربين المقيمين في السعودية من متوسطي الحال، وبين مجتمعات ومؤسسات صغيرة في جميع أنحاء العالم، وتتراوح هذه المساهمات بين نسبة 10% إلى 100% لكنها تنشِئ حالة من الحراك الاجتماعي والاقتصادي والتنموي والتطوعي تفوق بأضعافٍ كثيرة قيمتَها المالية المباشرة.

  هذه الشبكة العملاقة تمثل حصانة كبرى للدول والمجتمعات في آسيا وأفريقيا والمجموعات الإسلامية في العالم، وتستفيد منها في حماية الاقتصاديات والثقافة الوطنية، وفي التقليل من آثار الدمج القسري المجحف الذي تقوم به الولايات المتحدة للاقتصاد العالمي في آلتها الاقتصادية والسياسية الاحتلالية، وتحقق للعالم الثالث والمستضعفين في العالم عولمة بديلة تحميهم من العولمة المتوحشة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.

  في تحليل الدكتور غازي القصيبي الشاعر والوزير والسفير السعودي السابق فإنه عندما اتضح أن بوش لا ينوي عمل شيء لردع إسرائيل بدأت إشارات الاستياء تتوالى من الرياض إلى واشنطن.

  وتحدث الملك عبد الله(ملك السعودية الجديد) مع وزير الخارجية الأمريكي أكثر من مرة، وتحدث مع الرئيس السابق بوش مرارا، وكان ينتهز كل مناسبة ليرسل من يبلغ الرئيس الأمريكي استياء السعودية من موقفه، وعندما دعي الملك عبد الله(كان أميرا ووليا للعهد) لزيارة الولايات المتحدة كان رده أنه لا يرى جدوى من الزيارة إذا لم تؤد إلى نتيجة.

  وكرر الرئيس الأمريكي الدعوة وكان رد الأمير عبد الله أن هذه الزيارة ستكون مرتبطة بمبادرة تهتم بمعاناة الفلسطينيين. وأرسل رسالة حملها الأمير بندر بن سلطان السفير السعودي السابق في واشنطن كانت رسالة طويلة ومفصلة وقاسية، انتهت بعد عرض لتاريخ العلاقة والمصالح المشتركة بين السعودية وأمريكا والمبادئ التي وافقت السعودية على العملية السلمية على أساسها، وانتهت إلى أنه ما دامت السياسة الأمريكية تتنكر لهذه المبادئ وتتبنى الموقف الإسرائيلي فإن السعودية لا ترى جدوى لاستمرار الاتصالات مع أميركا وأن السعودية سوف تتخذ القرارات التي تراها من مصلحتها دون أن تأخذ بالاعتبار مصالح أمريكا كما كانت تفعل من قبل.  

   وكانت أحداث أيلول فرصة لإسرائيل وأنصارها في الولايات المتحدة الأمريكية لضرب العلاقة السعودية الأمريكية في الصميم. وسرعان ما ظهرت في الأفق في أعقاب الانفجارات نذر سوء تفاهم بين الولايات المتحدة والسعودية. وفجأة بدأت حملة صحفية على السعودية اتسعت وزادت حدتها حتى تحولت إلى هجمة حقيقية لم يعرفها تاريخ العلاقة بين الدولتين.

  وهكذا فقد تحولت السعودية – من وجهة نظر الحملة الإعلامية – من دولة صديقة للولايات المتحدة إلى دولة عدوة لها. من وجهة النظر الأمريكية فقد قامت السعودية بعدد من التصرفات غير المقبولة، فقد رفضت أن تسمح باستخدام قواعدها العسكرية لضرب أفغانستان، ورفضت أن تؤيد الهجوم العسكري على أفغانستان، وطالبت أن ينتهي الهجوم في أسرع وقت ممكن وبأقل عدد من الضحايا، ورفضت تجميد أموال المواطنين والجمعيات الخيرية إلا بعد تقديم أدلة مقنعة تشير إلى تورط.

   

Ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق