جميل النمري

عمّان في الذروة

تم نشره في الاثنين 1 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

 هذه الأيام، كل الساعات هي ساعات الذروة في عمّان, الصف الطويل من العربات على التقاطعات والإشارات و"الدواوير" والأنفاق والجسور لا يقتصر على ساعات بعينها. ما يحدث في الصيف الآن هو صورة لما سيكون عليه الحال في كل الأوقات بعد بضع سنوات!

  وعمّان استهلكت الحلول؛ فالأمانة حوّلت كل التقاطعات الى انفاق وجسور، ووسعّت الزوايا والأطاريف، وبقي استكمال الطرق الدائرية المحيطة، وهي لن تغير من زحمة السير في مفاصل المدينة. عمّان مدينة جميلة وصديقة للتنقل والحياة، وتتيح التلال تهوية تخفف من التلوث الذي أخذ بخناق عواصم أخرى وأوصلها الى كارثة بيئية. هذا.. حتى الان! لكن بعد قليل سيختلف الحال، ومن واجبنا أن نفكّر على الأقل لربع قرن قادم، حتى لا ينتهي بنا الحال مثل القاهرة وعواصم أخرى.

  منع الوصول الى حالة الاختناق في المواصلات هو أعظم مشروع اقتصادي، ولا يمكن تخيّل ما يوفره للمجتمع. المرور السلس يوفر مئات الألوف من الساعات المهدورة، وملايين الأطنان من الوقود، ويوفر انبعاث ألوف الاطنان من الدخان، ويوفر ما لا يحسب بأرقام للصحة البدنية والنفسية للأفراد. وفي ابحاث حديثة، فإن السيارات ترفع درجة حرارة المدن عن جوارها المباشر ما لا يقلّ عن 5 درجات مئوية. وتزداد الحاجة الى المكيفات، التي بدورها تفاقم المشكلة بما تنفثه من هواء ساخن الى الخارج.

  هذه توطئة لاقتراح قديم كتبت به، وأعود له بمناسبة الحال الصعبة هذه الأيام مع ازدحام عمّان. لكن قبل ذلك، اريد استذكار درس من التاريخ، اذ يقال ان المرحوم وصفي التلّ، قبل استشهاده، كان قد جهّز خطة حاسمة وحازمة لوقف توسع عمّان غربا، لإنقاذ الشريط الضيق من الارض الخصبة والخضراء من أجل الأجيال القادمة، لكن اغتياله أوقف المشروع، وترك لمن لا يفكرون الا في مصالحهم الآنية الضيقة متابعة العدوان الكارثي على الأرض. والان، فات الأوان على أي خطّة من هذا النوع.

  الآن، لا ينقذ عمان سوى نشوء مركز بديل للجذب السكّاني. ولا يمكن ان يتحقق ذلك بالمناشدة أو بأي مشروع آخر، سوى انشاء عاصمة سياسية جديدة للأردن شرقا باتجاه الصحراء. وقد يثير هذا الاقتراح ابتسامة خفيفة ساخرة، لكن هذا هو الحال مع الأفكار الكبيرة دائما. وهناك الآن مشروع مدن ثلاث شرق عمّان، لكنها في الواقع مجرد اسكانات تتابع التوسع الطبيعي الذي لن يحلّ مشكلة عمّان.

  ثمّ ان العواصم السياسية لم تعد بالضرورة هي كبرى مدن البلاد. وإن الإعلان عن مشروع عاصمة سياسية الى الشرق سيمكن من تمويل المشروع مباشرة من قيمة ارتفاع الاراضي، والاقبال على الاستثمار، والمساهمة في كلفة البنيّة التحتية. وسيكون ممكنا تخطيط المدينة والاقليم الذي تتبعه لخمسين عاما قادمة. هذا واجب وحق للأجيال القادمة.

  فكّروا وأنتم تنتظرون اليوم في الثانية ظهرا على أحد التقاطعات تحت الشمس اللاهبة.

[email protected]

التعليق