محمد أبو رمان

"بناء الأمم" على الطريقة الأميركية

تم نشره في الأحد 31 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً


    مصطلح "بناء الأمة" من المصطلحات التي راجت وانتشرت في الفترة الأخيرة في الأدبيات السياسية الأميركية، وبشكل خاص منذ احتلال العراق، وقد صدرت العديد من الدراسات والأبحاث التي تناولت هذا الموضوع ورصدت الحالات التي تم فيها غزو أو تدخل أميركي في العديد من الدول، وأدى هذا الغزو إلى زوال النظام السياسي السابق وبناء نظام سياسي جديد، وقارنت -هذه الدراسات- في مدى نجاح الولايات المتحدة تاريخيا في القيام بمهمة المساعدة أو الإشراف على بناء المؤسسات السياسية الجديدة بعد مرحلة الغزو.
    أما العراق فقد أصدرت مؤسسة كارنيغي للسلام ملفا بعنوان "من النصر إلى النجاح" لفتت فيه الانتباه إلى العديد من الملاحظات والقضايا المرتبطة بمشروع بناء العراق الجديد بعد انهيار نظام صدام، وما يواكب ذلك من تحديات وقضايا، وقد أقر الملف-الذي نشرته مجلة السياسة الخارجية آنذاك- بحجم كبير من الأخطاء التي وقعت فيها الإدارة الأميركية منذ الاحتلال، ومن ذلك أن الإدارة الأميركية قد أعدت مخططات عسكرية تفصيلية لكل الاحتمالات العسكرية بينما اعتمدت على رؤى عامة فضفاضة لتصور العراق "ما بعد الاحتلال" وعملية بناء النظام السياسي الجديد، بينما أعطى المخطط الذي قدمته الوكالة الأميركية للتنمية الدولية- واعتمدته الإدارة الأميركية- مواعيد طموحة غير واقعية في تصور بناء النظام العراقي الجديد، الأمر الذي ثبت فشله بشكل واضح وجلي.
    كما كشفت دراسة لنعومي كلاي بعنوان "نهب العراق سعيا إلى "يوتوبيا" المحافظين الجدد" (ترجمتها مجلة المستقبل العربي) عن بعض التصورات المتطرفة التي تبناها عدد من أقطاب الإدارة الأميركية لبناء العراق الجديد وتقوم على تدمير كل المؤسسات السياسية والاقتصادية بشكل متعمد، وإعادة بناء العراق مما سمي بـ "السنة الصفر" وإطلاق يد القطاع الخاص وقوى السوق وبناء نموذج جديد يدل على نجاح قوى السوق في بناء نظام سياسي واقتصادي جديد وفعال، لكن جاء المقاتلون العرب وهم يحلمون بيوتوبيا أخرى هي "الموت في سبيل الله" في مواجهة "العدو الأميركي" طمعا في "الجنة"، ووقفوا بالمرصاد ليوتوبيا السوق وعرقلوا كل مشاريعهم، وأدت إلى هروب الاستثمارات التي عول عليها هذا السيناريو الأميركي، وما زال العراق الجديد ضائعا بين يوتوبيات متعددة ومتضاربة!.
    ومؤخرا عادت مؤسسة راند الأميركية للأبحاث لإصدار دراسة موسعة حول ذات الموضوع –بناء الأمة- بعنوان "بناء القانون والنظام بعد الصراع" أعدها أربعة من الخبراء والباحثين الأميركيين، وتهدف الدراسة إلى الاستفادة من دروس التجارب السابقة التي قامت فيها الولايات المتحدة بالمساعدة في بناء نظم سياسية بعد الاحتلال والغزو، للاستفادة من هذه الدروس في المستقبل، وتذكر الدراسة أن أغلب المحاولات التي قامت بها الولايات المتحدة وحلفاؤها كانت فاشلة أو ما زالت غير ناجحة في إقامة نظم ديمقراطية وليبرالية، وأبرز التجارب هي بنما والسلفادور والصومال وهايتي والبوسنة وأفغانستان، وإن كانت حالة البوسنة وهايتي أفضل مقارنة بغيرهما، بينما تعتبر الدراسة أن الولايات المتحدة قد نجحت في كل من كوسوفو وتيمور الشرقية في تقليل حالات العنف بعد التدخل العسكري والبدء ببناء نظام قانوني فعال، وعلى الرغم أن الحكم على العراق ما زال مبكرا فإن المؤشرات الأولية تدل على أن هناك تزايدا في حالات العنف وضعفا في بناء النظام الأمني المطلوب.
     وقد وضعت دراسة راند العديد من الاستراتيجيات المستخلصة من البيانات والدروس من الحالات المذكورة فيما يتعلق بعمليات بناء الأمة مستقبلا، وأبرز هذه الدروس: أن على الولايات المتحدة وحلفائها استثمار "الساعة الذهبية" وهي الفترة الأولى بعد الغزو؛ لأن إدارة هذه الفترة بنجاح ستوفر جهدا كبيرا مستقبلا، وأبرز متطلبات هذه المرحلة بناء نظام أمني متين وقانوني صارم وأن يتوافق ذلك مع نظام قضائي عادل. كما تورد الدراسة الأعداد المطلوبة من الجيش والشرطة الداخلية والخارجية لضمان الأمن في البلاد، وكذلك الفترة اللازمة لإعداد القوات المحلية وتأهيلها. ومن الواضح من هذه الدراسة ومن دراسات سابقة أن هناك إحساسا ملموسا -لدى الخبراء الأميركيين- بالتخبط في المخططات والمشاريع الأميركية، وهو الأمر الذي نجد دليله ومؤشره العملي في العراق اليوم، والذي تحول -على خلاف عنوان تقرير مؤسسة كارنيغي- من نصر عسكري إلى فشل ذريع في بناء النظام السياسي الجديد.
     لكن، المشكلة أكبر من ذلك؛ فحتى الحالات التي يعتبر الخبراء الأميركيون أنها مثّلت نجاحا لم تكن بسبب المخططات الأميركية وإنما لظروف تاريخية وسياسية وداخلية خاصة، في تلك الدول، كما هو حاصل في تيمور الشرقية وكوسوفو من ناحية، ولأنها -من ناحية أخرى-  ارتبطت بموافقة ومشاركة دولية ولم تكن بقرار أميركي خاص، وهذه النتيجة سجلتها -سابقا- العديد من الدراسات الأميركية والتي ربطت نجاح المشروع السياسي بعد الغزو بوجود تحالف دولي حقيقي وقرار من مجلس الأمن بذلك الغزو، وهو ما لم يحدث في الحالة العراقية الأخيرة، وفي حالات أخرى مشابهة، وجعل كلفة الغزو البشرية والمادية عبئا على الولايات المتحدة وحلفائها الأقرب.
    وبعيدا عن دراسة راند الأخيرة، فإن التساؤل الشرعي المطروح عن شرعية تصدُّر دولة لها شروطها الحضارية والسياسية والثقافية الخاصة والمختلفة عن الدول الأخرى لمهمة بناء دولة أخرى، فهذا تصور غريب يقوم على مفهوم الوصاية أو "رسالة الرجل الأبيض" العنصرية التي بدأ يدعو لها العديد من الخبراء والمثقفين الأميركيين صراحة أو ضمنا في السنوات الأخيرة، وترتبط بالشعور بالزهو الإمبراطوري وبمفهوم "السلام الأميركي" على غرار "السلام الروماني" سابقا، وتتجاهل العوامل الداخلية المعقدة والمركبة لكل أمة من الأمم، والشروط الاجتماعية والثقافية الحاكمة في عملية بناء المؤسسات السياسية والثقافية، وتتجاهل كذلك ما هو أخطر من ذلك وهي شرعية الاحتلال ذاته ونحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين.
    الاحتلال مهما اختلفت تسمياته قديما وحديثا يبقى عملا بغيضا، أما العزف على وتر "مهمات بناء الأمم" فهي محاولة تجميلية لمفهوم الاحتلال والوصاية الذي كنا نتوقع أن التاريخ قد تجاوزه ليعود الخبراء والباحثون الأميركيون اليوم بالترويج له، وما زالوا في الدراسات المتتالية مصرين على تجاهل بدهية حقيقية أن الشرط الأول والرئيس لبناء أي أمة هو الاستقلال والحرية التامة والإرادة الذاتية في البناء والنهوض..
m.aburumman@alghad.jo

التعليق