أعمِلوا السياسة في العراق، وليس الحرب

تم نشره في الاثنين 25 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

   ها هـي ذي الولايات المتحدة تتعلم مرة أخرى أن القوة العسكرية ليست بلا حدود. ففي العراق تسيطر أميركا سيطرة كاملة على الجو، لكنها تعجز عن الاحتفاظ بالأرض. والحقيقة أن مجرد وجودها يحرض على العنف.

    وبينما يعتقد الرئيس جورج دبليو بوش أنـه قـد نجح في حماية الأميركيين من خلال "نقل الحرب إلى أرض العدو"، إلا أن أكثر من 1700 أميركي لقوا حتفهم في حرب العراق، تلك الحرب التي حرضت أيضاً علـى أعمال إرهابية وجِّـهَت نحو حلفاء الولايات المتحدة. وربما كان الدافع الرئيسي وراء التفجيرات المروعة التي شهدتها لندن مؤخراً راجعاً إلى قيادة بريطانيا المشتركة للحرب في العراق.

    مما لا شك فيه أن الخطأ الذي ارتكبته إدارة بوش يتلخص في إهمالها للسياسة حين قامت بوضع حسابات الحرب، وحين سارت بلا بصيرة وراء القول المأثور الذي يرى أن الحرب ليست سوى سياسة ولكن بوسيلة مختلفة. والحقيقة أن أغلب الحروب تعكس إخفاق السياسة وفشل الخيال السياسي. ولكن نظراً لإيمانهم بتفوقهم الأخلاقي وافتقارهم إلى الوعي التاريخي والثقافي، فقد تصور بوش وزمرته من المستشارين والناصحين أن غزو العراق سيكون عبارة عن نزهة عسكرية، وأن آلة صدّام حسين العسكرية سوف تتهاوى بلا مجهود، وأن قوات الولايات المتحدة سـوف تستقبل استقبال الفاتحين المحررين. لقد عجزوا عـن إدراك حقيقة واضحة، ألا وهي أن العراق ظلت بلداً محتلاً لفترة طويلة وأنها كانت خاضعة خلال تلك الفترة لاستغلال داخلي شديد.

    ونتيجة لهذا ينظر أهل العراق، ونستطيع أن نتفهم هذه النظرة، إلى الاحتلال الذي تقوده أميركا باعتباره مجرد حلقة أخرى في سلسلة الاستغلال الخارجي. وتؤكد بعض الآراء المقبولة على نطاق واسع أن النفط كان الدافع الرئيسي وراء هذه الحرب وليس مكافحة الإرهاب كما قيل ـ فهي حرب تم التخطيط لها بواسطة كبار مستشاري السيد بوش أثناء تسعينيات القرن العشرين، ثم أصبح تنفيذ ذلك التخطيط ممكناً بعد أن تولوا السلطة في عام 2001. وطيلة فترة التسعينيات كان نائب رئيس الولايات المتحدة ديك تشيني حريصاً هو وآخرون على الإعلان على نحو دائم أن حكم صدّام يهدد أمن أميركا النفطي بسبب إجبارها على الإفراط في الاعتماد على المملكة العربية السعودية. وتستمر هذه الحجة فتؤكد أن احتياطيات العراق الضخمة من النفط لـن يتسنى استخراجها علـى نحو آمن قبل أن يتم خلع صدّام. ولقد كانت الهجمات الإرهابية التي وقعت داخل الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 بمثابة الضوء الأخضر لتنفيذ الخطط القديمة، ولم تكن الدافع المباشر لشن الحرب على العراق.

    وبطبيعة الحال، يدرك العراقيون كل هذا. وبالتالي فهم لم ينظروا إلى رفض بوش لتحديد موعد نهائي لسحب القوات باعتباره دليلاً على العزم والتصميم، بل بمثابة الإعلان عن نية أميركا في البقاء في العراق إلى ما شاء الله، لكي تضع على رأس السلطة نظاماً حاكماً ليس سوى ألعوبة بين يديها، وتتحكم في إنتاج البلاد من النفط، وتقيم في العراق قواعد عسكرية دائمة.

    لكن هذا السيناريو لن يكتب له النجاح. وذلك ببساطة لأن عدد القوى السياسية الحقيقية العاملة على أرض العراق كبير إلى الحد الذي يجعل أميركا عاجزة عن التعامل مع تلك القوى، التي أصبحت تطالب على نحو متزايد بجدول زمني لانسحاب قوات الولايات المتحدة، هذا فضلاً عن الجموع الغفيرة مـن أهل الشعب العراقي التي تحتشد في المظاهرات العامة، وفي خُـطَب المساجد. وفي كل مرة تكرر الولايات المتحدة رفضها لتحديد موعد نهائي لانسحاب القوات، فإنها ببساطة تزيد الموقف السياسي التهاباً وتحرض على التمرد. والحقيقة أن عدداً كبيراً من العراقيين قد أصبحوا على استعداد تام للمقاومة حتى الموت في سبيل إنهاء الوجود الأميركي. إن السياسة وحدها، وليس السلاح، قادرة على تهدئة المشهد العراقي.

     ولنعتبر مـن سابقة حقيقية هنا، ألا وهي حرب فيتنام. فجميعنا نعرف أن خسائر فيتنام من قتلى ومصابين ربما تجاوزت الخسائر الأميركية بنسبة عشرين إلى واحد، ومع ذلك فقد عجزت الولايات المتحدة عن إخضاع خصمها القومي في فيتنام. وكان باستطاعة الولايات المتحدة أن تدك مدن فيتنام بالقنابل فتسويها بالأرض، كما تستطيع الآن أن تفعل بالمدن العراقية، لكن هذا لن يحل شيئاً، كما أنه سيتسبب في وقوع خسائر هائلة في أرواح الأبرياء، وبالتالي سيؤكد النظرة إلى الأميركيين باعتبارهم محتلين لا محررين.

   هناك جانب اقتصادي لكل هذا أيضاً. ذلك أن مبادئ السياسة الخارجية الأميركية تنص على أن الأمن القومي للولايات المتحدة يستند إلى ثلاثة أعمدة: الدفاع والدبلوماسية والتنمية. ومن هنا فإن تقديم المعونات الاقتصادية للدول الفقيرة يعد أمراً في غاية الأهمية، فالفقر هو المادة الخام الملتهبة التي تنتج العنف، والصراع، وحتى الإرهاب. ومع ذلك فإن الدبلوماسية والتنمية يحتلان المركز الثاني والثالث بعد مسافة كبيرة مـن أغراض الدفاع ـ أو بتعبير أكثر دقة أغراض القوة العسكرية ـ فـيما يتصل بأوجه الإنفاق عـلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

    من المعروف أن الولايات المتحدة تعتزم تخصيص ما يقرب من 500 مليار دولار أميركي، أو ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي، للإنفاق العسكري هذا العام ـ أي نصف إجمالي ما ينفقه العالم أجمع. أو نستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن الولايات المتحدة تنفق على الأسلحة قدر ما تنفقه بقية دول العالم مجتمعة.

    وفـي المقابل، تنفق الولايات المتحدة ما لا يزيد على 18 مليار دولار، حوالي 0.16% من الناتج المحلي الإجمالي، على مساعدات التنمية. وعلى النقيض من هذا سنجد أن أوروبا تنفق ما يقرب من 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الأغراض العسكرية، بينما تنفق على مساعدات التنمية حوالي 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي تعمل الآن على تصعيد هذه النسبة لكي تبلغ 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2015.

   ولكن إذا ما تبنت الولايات المتحدة السياسة بدلاً من الحرب، فلسوف تدرك أن التوجه نحو المزيد من الإنفاق على أغراض التنمية والتجارة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط بدلاً من الإصرار على التوجه العسكري الحالي، من شأنه أن يخدم مصالح أميركا على نحو أفضل. فقصف ليبيا بالقنابل، على سبيل المثال، لم يقنع معمر القذافي بالعودة إلى حظيرة المجتمع الدولي، لكن الدبلوماسية حققت ما عجزت عنه القنابل، فأثبتت للقذافي إن إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الغرب والتخلي عن طموحات ليبيا النووية يشكلان السبيل إلى تحقيق منفعته الشخصية ومصالح ليبيا على وجه العموم.

   وكان تبني ذات التوجه في التعامل مع صدام حسين قد يكون أقل كلفة وأكثر تحقيقاً لمصالح كافة الأطراف. بل وكان من الممكن توفير أموال طائلة ـ وإنقاذ الملايين من الأرواح ـ لو كانت أميركا قد جربت نفس التوجه مع هوشي منه في خمسينيات القرن العشرين.

    لا أحـد يستطيع أن ينكر الحاجة إلـى العمليات الاستخباراتية والتـحركات الشُرَطية في مكافحة الإرهاب. لكن الحرب في العراق وما يترتب عليها مـن نفقات عسكرية هائلة أمر مختلف تمام الاختلاف. فالقوة العسكرية الأميركية تستطيع حماية الولايات المتحدة من الهجمات العسكرية التقليدية، وبإمكانها العمل على تأمين البحار المفتوحة فتضمن بذلك تدفق النفط والسلع الحيوية الأخرى. لكنها لا تستطيع أن تحمي الولايات المتحدة من شرور السياسة. لهذا السبب يتعين على الأميركيين أن يكونوا أكثر ذكاءً، وأن يبادروا إلى الاستثمار في التنمية السلمية بدلاً من إنشاء القواعد العسكرية على أراضٍ تعرضت للاستغلال وعايشت المفاسد والمساوئ ردحاً طويلاً من الزمن.

    يتعين على الولايات المتحدة أن تغادر العراق بسرعة. وبعد ذلك ينبغي عليها أن تستغل ثقلها السياسي والاقتصادي من أجل المساعدة فـي إدارة الموقف المعقد والبالغ الصعوبة، الذي ساهمت هي ذاتها وإلى حد كبير في الانتهاء إليه. مما لا شك فيه أن رحيل قوات الولايات المتحدة سوف يحد من نفوذ أميركا في العراق، لكن الرحيل الآن من شأنه في الواقع أن يجعل ذلك النفوذ أكثر فعالية من وضعه الحالي، كما أن تكاليفه ستكون أقل كثيراً من حيث المال، فضلاً عن أرواح الأميركيين والحلفاء والعراقيين.

التعليق