محمد أبو رمان

رسالة القاعدة في شرم الشيخ

تم نشره في الأحد 24 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

    لم تمض سوى أيام قليلة على تفجيرات لندن حتى أشعلت الحرائق منتجع شرم الشيخ لتضرب موسم السياحة الذي يشكل منفذا مهما للاقتصاد المصري. وتترافق هذه التفجيرات مع ازدهار "سوق القاعدة" في العراق والعمليات الانتحارية التي أصبحت أقرب إلى الطابع اليومي، وتبدو الأمور وكأننا أمام مرحلة جديدة تستعيد فيها مجموعات إسلامية -مرتبطة بمنهج القاعدة – قدراتها، وتقوم بالضربة المرتدة على حرب واشنطن على الإرهاب.

   الرئيس الأميركي قال: إنه خاض الحرب في العراق لأن أميركا هوجمت في 11 أيلول 2001. فهل الولايات المتحدة وحلفاؤها أصبحوا بعد الحرب العراقية -وقبلها الأفغانية- أكثر أمنا، وهل استطاعت الجهود والسياسات الأميركية والأموال الطائلة المنفقة في الحد من خطر القاعدة وقوتها؟..

   الجواب على هذا السؤال يناقشه (من زاوية أخرى) الكاتب البريطاني "توري مونتي" في مقاله في صحيفة الحياة (بالأمس) إذ يتناول الخلفية الاجتماعية والفكرية لكل من حسيب حسين شهزاد تنوير ومحمد صادق خان، المتهمين في تفجيرات لندن اللذين -كما يقول- لم يكونا عرباً أفغاناً عادوا من الجبهة، ولا أصوليين على طراز الزرقاوي يطمحون إلى إضرام مواجهات في "أراضي الكفّار". إنّهم بريطانيون من (يوركشاير) وهم "فتيان طيّبون" (كما وصفهم أحد جيرانهم لهيئة الإذاعة البريطانية). ولعل هذه الخلفية توضح إلى درجة كبيرة طبيعة التجنيد الفكري والحركي لكثير من الأفراد الذين ينتمون لهذه الجماعات دون خبرة سابقة تذكر. فأسامة بن لادن المطارد في الجبال على الحدود الباكستانية- الأفغانية مع عدد قليل ممن تبقوا من قيادات القاعدة ليس شخصية خارقة (سوبرمان) يستطيع هو أو أبو مصعب الزرقاوي أن يجندا شبابا صغارا في أحياء لندن وضواحي المدن الأوروبية أو صحراء سيناء؛  عدد كبير منهم حديثو عهد بالتدين ليس لهم أي مشاركة سابقة بالجهاد الأفغاني، وعملية الربط التي تتم بين الزرقاوي وبن لادن وبين العديد من التفجيرات هي أشبه بالصورة الكاريكاتورية الأسطورية المضحكة لهذه الشخصيات؛ فالجماعات الجهادية المنتشرة في العالم والخلايا التي يمكن أن تتشكل في أي لحظة هي نتاج ظروف موضوعية تتمثل بلحظة تاريخية استثنائية تشعر فيها نسبة كبيرة من المسلمين والعرب بأزمة متعددة الأبعاد تختلف من دولة إلى أخرى، لكنها تفرز تنظيمات تشترك في خصائص فكرية وسياسية وثقافية معينة تشكل ما نسميه "عولمة التنظيمات الجهادية".

   وبوسع من يتابع المنتديات الجهادية على الانترنت أن يلتقط بسهولة ووضوح انتشار فكر القاعدة وبروز العلاقات البينية المشفرة بين عدد كبير من أتباع وأنصار هذه الجماعات في العديد من الدول العربية والإسلامية، فكُتب يوسف العيري (الذي قتلته السلطات السعودية وكان أحد أبرز المطلوبين من القاعدة) يتناقلها الشباب الإسلامي في كثير من دول العالم، بينما كان  شاب في النرويج ينشر رسائل أبو محمد المقدسي (منظر التيارات الجهادية) التي كان يكتبها في سجن قفقفا (الصحراوي في الأردن) بعد ساعات من تسريبها من السجن!.

  ولم يبرز الزرقاوي –عالميا- إلا بعد مطاردة ابن لادن وتدمير معسكراته، وهناك تقارير أمنية غربية تشير إلى ولادة جيل جديد من القاعدة أخطر من الجيل السابق، والعراق الذي أراده بوش مفتاحا لتغيير الشرق الأوسط وحجر أساس في "الحرب على الإرهاب" أصبح وفقا لتقرير خاص للإكونومست "مهدا للحرب وحاضنة للجهاد"، كما انتقلت الجماعات الجهادية نقلة نوعية بعد الحرب على العراق فأصبحت جماعات عابرة للحدود تخترق الحواجز فيُقتلُ عبد الله الرشود المطلوب في السعودية في معركة ضد القوات الأميركية في القائم، وتشتبك القوات السورية مع شباب مغاربة يرتبطون بالتنظيمات الجهادية!. ولا ينتمي أغلب هؤلاء الشباب الناشطين إلى تنظيم القاعدة الذي أسسه ابن لادن، وإنما إلى مجموعات صغيرة وتنظيمات عنقودية منتشرة في العديد من دول العالم لها العديد من الرؤوس الموجودة والمرشحة للنمو، وكثير من هؤلاء الشباب الصغار قد يصبح أخطر من الزرقاوي، ولعل هذا ما دفع الكاتب "روجر كوهن" -في مقاله في الانترناشنال هيرالد تريبيون- إلى القول: " لا نعرف ما إذا كان أسامة بن لادن حيا يرزق، لكننا نعرف حقيقة أنه حي في عقول الكثيرين من الناس، وهو ما يهم، وأن القاعدة قد تحولت إلى شيء هو رسالة أكثر منه حركة وتنظيما"!.

   بالفعل، أصبحت القاعدة -نتيجة اللحظة التاريخية الحالية- حالة عامة ورسالة يمكن أن نقرأها في كثير من دول العالم، فلم يعد أحد في مأمن كما صدّرت الصحف البريطانية صفحاتها عشية تفجيرات لندن. وتحولت القاعدة لتمثل للكثيرين الرد العالمي العنيف المناهض لمشروع الهيمنة الاميركي على العالم، وهذه الملاحظة يمسك بها المفكر الفرنسي أوليفيه روا (في كتابه عولمة الإسلام): فأسامة بن لادن لم يهاجم الكنائس الأميركية، وإنما رموز الهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأميركية، في الوقت الذي يقوم فيه شخصية عالمية ذات خلفية جنائية وفكر مناهض للولايات المتحدة كروبيرتو كارلوس بإعلان إسلامه لشعوره أن الجماعات الجهادية العالمية أصبحت رمز المناهضة للهيمنة الأميركية.

   بالتأكيد لسنا سعداء بأن نرى روح العدمية وانعدام الأمل تسيطر على الاف الشباب العربي والمسلم، وأن نشاهد التطرف والتفسير الأعوج للدين يخطف مستقبل هؤلاء الشباب، وأن تخيم على المنطقة حالة العنف والفوضى فتبتعد طموحات غالبية الشعوب العربية عن الإصلاح المطلوب، لكن في المقابل فإن مواجهة خطاب القاعدة لن يأتي من خلال الحروب الأميركية التي تؤدي الى تقوية مبررات الخطاب الأيدلوجي للقاعدة وتوفير التربة المناسبة لعملية التجنيد الفكري والحركي لهذا الخطاب كما يحدث في العراق اليوم.

   كما أن الحل الأمني العربي يزيد الأمور سوءا ولا يمثل الرد الصحيح على رسالة القاعدة، وبما أننا نتحدث عن تفجيرات شرم الشيخ يبدو أن الحالة المصرية مثال واضح على ذلك، فالمواجهات الأمنية بين القوات المصرية والجماعات الإسلامية المتشددة في التسعينات ضربت الاقتصاد المصري وخلقت حالة من الاضطراب السياسي لم تجدِ معها كل الإمكانيات والجهود الأمنية إلى أن وقعت أحداث الأقصر (17 تشرين الثاني 1997) تلا ذلك حوار غير معلن بين السلطة وقادة الجماعات الإسلامية في السجون المصرية، وتمخض عنه إعلان هذه الجماعات مراجعاتها الفكرية الشهيرة التي تبرأت فيها ومن خلال عدة كتب من العنف واعتذرت للشعب المصري عن الدماء التي سالت، وانعكس ذلك على حالة الأمن والسياحة والاقتصاد المصري إذ لم تشهد مصر أحداث عنف بعد ذلك حتى وقعت تفجيرات طابا في 7 تشرين الأول من العام المنصرم، إلا أنّ تعامل السلطات المصرية مع تلك التفجيرات لم يكن منطقيا، ولم تستفد السلطات المصرية من تجارب السنين السابقة فقامت باعتقال الاف الناس في سيناء وخلقت حالة من الشعور بالظلم، والظلم من العوامل المؤدية إلى التطرف والعنف في كثير من الأحيان، ويكفي للتذكير بأن أفكار مصطفى شكري مؤسس جماعة التكفير والهجرة قد ولدت من رحم المعتقلات والسجون، وليس بعيدا أن يكون أحد الذين خططوا أو نفذوا شرم الشيخ له علاقة باعتقالات سناء التي تمت.

   وإذا صحت التوقعات التي تربط بين شرم الشيخ واعتقالات ما بعد طابا وهو ما ألمح إليه بيان القاعدة بالثأر لشهداء طابا، فسيكون ذلك درسا تاريخيا للنظم العربية التي تعتمد الحل الأمني، فرسالة القاعدة تتطلب رسالة فكرية وسياسية وحوارا داخليا يكون مقدمة لحل تاريخي، وإلا فإن درس شرم الشيخ سيتكرر في مكان آخر!.

التعليق