ياسر أبو هلالة

الثقة بين مجلسين.. التصويت وحده لا يكفي

تم نشره في السبت 23 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

    لو أن باحثا حلل محاضر جلسة مناقشات الثقة ونتائج التصويت لتوقف طويلا عند بعض من أعطوا الثقة خلافا لمواقفهم المعلنة في كلماتهم. فالسياسي مسؤول عن كلامه ومواقفه أمام أصحاب القرار وأمام جمهوره، وعليه تفسير أي انقلاب في مواقفه، احتراما لمن أعطوه ثقتهم.

    وفي غياب تفسير الانقلاب، يظل الباب مفتوحا أمام سوء الظن والإشاعات. وقد فسر لي صحافي تصويت نائب عالي الصوت بمنح الثقة خلافا لكلمته، بأنه استحقاق تعيين ابنته حديثة التخرج براتب يفوق راتب وزير عامل!

     قد يكون التفسير صحيحا، وقد يكون نموذجا لثقافة النميمة والإشاعة، وقد يكون سبب الانقلاب مرتبطا بثقافة الازدواجية، بمعنى خطاب نقدي لإرضاء الجمهور من جهة ولابتزاز الحكومة من جهة أخرى، وتصويت مصلحي لديمومة التسهيلات والخدمات، للذات وللجمهور.

    مثل هذا التصويت يضر بمجلس النواب وبالحكومة معا، وهو مرض قاتل، من الأمراض التي فتكت بالجسم السياسي الأردني وجعلته واهنا أقرب إلى الشلل. فرئيس الوزراء يحصل على الثقة بناء على برنامج وطني، وهذه الثقة تفوضه بتنفيذ برنامجه، داخليا وخارجيا، خدمة للبلاد بعامة لا خدمة بالقطعة لكل نائب. والذين يعطون الثقة ليسوا منافقين وانتهازيين ومرتشين ولصوصا، تماما كما أن حاجبيها ليسوا بالضرورة أبطالا ومناضلين ونزيهين وخيريين.. هم بين الصواب والخطأ. هكذا الأصل في الأنظمة النيابية؛ فالذين صوتوا لصالح بلير يحاسبونه على تفجير الحافلات في لندن لا الحصول على رخص خطوط حافلات، والذين صوتوا لصالح وزير الداخلية السابق في حكومته حاسبوه على تسريع معاملة خادمة لا على علاقته غير الشرعية مع امرأة متزوجة.

     لسنا بريطانيا، لكن يمكن أن يكون الوضع أفضل. وقد أثبت المجلس النيابي الحالي قدرته على الارتقاء إلى مستوى وطني، لا تأييدا لكتلة نواب الحجب التي تفسخت لاحقا، ولكن تأييدا لإعادة الاعتبار لدور المجلس، باعتباره "مجلس الأمة"، التي هي "مصدر السلطات". وليس المطلوب إسقاط الحكومة، كما حصل في سنين خلت، وإنما المضي في برنامج "الحجب" وليس تنفيذ أصغر جزئياته من خلال تمثيل الجنوب جغرافيا.

    للتفسير، يمكن العودة إلى جلسة الثقة في حكومة مضر بدران العام 1989. يومها كانت البلاد تمر بظروف أسوأ من رفع أسعار المحروقات هذه الأيام. كانت المحروقات ارتفعت، والبلاد اهتزت في نيسان، وكان دخل كل مواطن قد انخسف بفعل انهيار سعر صرف الدينار. المواطن كان معنيا بمجلس النواب، إلى درجة أن شرفة النظارة ضاقت بالجمهور الذي صفق بحرارة لمهاجمي رئيس الوزراء كما لرئيس الوزراء ساعة انبرى للرد. أما جلسة الثقة هذه الأيام، فقد زهد المواطن بحضورها وبمتابعة أخبارها.

    لم تتعامل حكومة مضر بدران مع أسعار النفط وحدها، بل تعاملت -بموجب الثقة التي حصلت عليها- مع ما هو أخطر وأعقد. تعاملت مع الحصار النفطي الذي ضرب علينا؛ فيومها لم تكن المسألة منحة نفطية ومساعدات، المسألة تتلخص – للتذكير- بأننا حاربنا أميركا! كيف؟ أميركا، التي كان زهاء نصف مليون من جيشها وجيوش حلفائها قد احتشدوا بجوارنا، ومن دونهم إسرائيل التي كنا في حال حرب معها، قالت ببساطة: لا تستوردوا نفطا من العراق، فرد رئيس وزراء بلد صغير اسمه الأردن من تحت قبة مجلس النواب: بأننا سنواصل استيراد النفط من العراق. سائقون من القوات المسلحة ومن المدنيين نقلوا النفط، وتحدوا الحظر الأميركي (بعضهم قضى بقصف الطائرات الأميركية)، ودخلنا مرحلة نظام الفردي والزوجي.

    وضعت الحرب أوزارها، ورحلت حكومة مضر بدران لأسباب سياسية؛ لأن الرئيس الذي وعد الإخوان المسلمين بأن لا يتخلى عن ذرة من تراب فلسطين ليس هو المؤهل لمرحلة مدريد. وخلفه طاهر المصري، بذات برنامجه الداخلي ديمقراطيا، مع تعديل على سياسته الخارجية باتجاه المشاركة في مدريد. وكما أدخل بدران شريكا له قاعدة شعبية تمثلت بالإخوان المسلمين، أدخل المصري شريكا له قاعدة شعبية تمثلت بالتجمع الديمقراطي. وقد تعاملت حكومته، على قصر عمرها، مع استحقاقات العزلة الدولية التي فرضت على البلاد عقب حرب الخليج الثانية.

     سرعت الحكومة من وتيرة القوانين الناظمة للديمقراطية. وأذكر أن المصري يومها استقبل اللجنة التحضيرية لاتحاد طلبة الجامعات الأردنية، وكانت تجمعا من المجالس المنتخبة للجامعات والمعاهد الأردنية، وبحث معهم إصدار تشريع لاتحاد عام لطلبة الأردن. تذكرت ذلك في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة، ضمن وعودها الديمقراطية، أنها ضد التعيين في مجالس طلبة الجامعات، فيخرج علينا رئيس الجامعة الأردنية مؤيدا ومدافعا عن التعيين! فإذا كان رئيس أكبر وأعرق جامعة أردنية رسمية يفكر بهذه الطريقة، فكيف سيفكر من يديرون المدارس الابتدائية؟! هل نريد إعادة اكتشاف العجلة؟!

     الوهن الذي عطب الجسم السياسي الأردني لم يقتصر على الجامعات، بل تجازوه إلى البلديات وغيرها، لكنه بدأ بمجلس النواب! فالنواب عندما يمثلون الوطن، يتدخلون لصالح عامة الطلبة، علميا ونقابيا ومعيشيا، أما عندما يمثلون حارات، فهم يتدخلون لصالح تأمين مقعد جامعي لأحدهم، و"تدبير" منحة لآخر، ونقل سكرتيرة...! وعلاج الوهن يبدأ بمجلس النواب، من خلال ارتقاء النواب إلى مستوى تمثيل الأمة لا تمثيل من صوتوا لهم أو سيصوتون. وفي جلسة الثقة، فاجأ نواب، اعتُقد أنهم "نواب حارت"، مستمعيهم عندما تحدثوا بلغة وطنية انسجم معها تصويتهم، بقدر ما فاجأ نواب، اعتُقد أنهم نواب وطن، فانتكسوا إلى أضيق زقاق في حاراتهم.

     مع كل ذلك، الحكومة الحالية تمتلك برنامجا سياسيا أفضل من الحكومتين اللتين سبقتاها. فجميع الحكومات ترفع الأسعار، لكن هذه الحكومة ترفق ذلك برفع سقف الحريات. وأداء المجلس مع هذه الحكومة أفضل من أدائه مع الحكومتين السابقتين، قبل الثقة وبعدها. واعتصام "تنسيقية  المعارضة" أمام المجلس لم يسفر عن جرحى ومعتقلين، ويسجل للحكومة أنها وافقت عليه، لكن الأهم هو تعديل قانون الاجتماعات العامة الذي  قيد حق المواطن الدستوري في الاجتماع، وهذا التقييد لم يكن مسبوقا قبل تعديلات حكومة أبو الراغب على القانون!

ولكن، لم نصل إلى ما كنا عليه قبل أكثر من عقد، حتى لا نقول عقود. ولا حل إلا بقانون انتخاب عصري. وليس المطلوب العبث بالوزن الديمغرافي للدوائر، وإنما إفساح المجال للصوت الوطني، أي التصويت لقائمة نسبية على مستوى وطني، أو التصويت على مستوى قائمة في المحافظات. وللمتخوفين من هيمنة تيار سياسي معين (مع أن هذه طبيعة الانتخابات)، فبإمكانهم صياغة نظام مختلط، يجمع بين الصوت الواحد والقائمة. من دون ذلك فإن المؤكد هو بقاء مجلس نيابي يقوم على أساس كتل بعدد أعضائه، تتقلص ساعة التصويت للرئاسة فقط، وتنفرط عند التصويت للثقة.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق