جميل النمري

الاستشراق الديمقراطي

تم نشره في الأربعاء 20 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

كأننا أمام استشراق جديد! يمكن ان نسميه "الاستشراق الديمقراطي".

الموجة -أو الموضة- الغربية الجديدة لنشر الديمقراطية في بلادنا تكاد تأخذ ملامح استشراقية، شيء من تلك الظاهرة التي كان المفكر والمناضل العلم المرحوم ادوارد سعيد قد أبدع في استجلاء ما استبطنته في علاقة الغرب مع هذا الشرق. الشرق المبحوث والمدروس ظاهريا من أجل العلم والمعرفة، وتبطينا، وفق ما فضحته بحوث سعيد، لتيه الغرب بتفوقه المدني والحضاري، الاساس الثقافي والاخلاقي لتبرير الاستعمار.

لم يغادرني ابدا هذا الاحساس بالعلاقة الاستشراقية مع الجهات الغربية التي تعمل من اجل قضايا حقوق الانسان والمرأة، وتموّل برامج مع مؤسسات محليّة للتدريب على هذه الحقوق وتدريب المدربين... الخ، بمنطق مدرسي، أصبح ميدان احتراف ومصدر رزق للعديدين وغير ذلك. فالنشاطات كلها تنتهي عادة الى شكل واحد، هو الاستضافة في الفنادق مع الجمهور نفسه لقول الاشياء نفسها بحضور،غالبا، الضيوف من الخارج انفسهم. ولم يكن لي في أي وقت موقف عدائي من التمويل بشكل عام، لكن لم أكن استمزج ابدا صرف النقود بهذه الطريقة.

على جبهة معاكسة، قمنا في الهيئة الاردنية للثقافة الديمقراطية بمشروع استنهاض المشاركة السياسية لشبابنا وطلابنا، وحصلنا على تزكية محمودة من وزارة التنمية السياسية، ودعم مشكور من وزارة التخطيط، لم يتكرر مع الاسف، فأشركنا مئات الشباب في مخيمات للثقافة السياسية، تحدثنا لهم فيها عن التيارات السياسية والفكرية على مدار القرن العشرين، وما انتجته وما آلت اليه، وعن التقلبات السياسية في العالم العربي، وعن الاحزاب السياسية والمدارس الاقتصادية. ناقشنا قضايا البلد والمجتمع، وأحيانا جلبنا أصدقاء عاشوا وعايشوا العمل السياسي والحزبي في أيامه التليدة، ليتبادلوا الحديث مع الشباب، ويقارنوا تجربة الماضي وحاجات المستقبل. لم اشعر لدقيقة ان الشباب بحاجة إلى تعليمهم حقوق الانسان! وهي، على كل حال، متوفرة في كراريس تتضمن العهود والمواثيق الدولية، التي يستحسن ويجب الاطلاع عليها، أما الحاجة الحقيقية فهي الثقافة السياسية والاهتمام بالشأن العام.

الان، هناك ما هو أكثر؛ الاميركيون يعرضون تدريب كوادر الاحزاب! وقد بدأوا مع مصر، وانا اتخيل رفعت السعيد، رئيس التجمع الديمقراطي التقدمي، الذي سلخ اكثر من  نصف قرن في العمل السياسي والحزبي، يتلقى هذا العرض؟!

انا لا أعارض الضغوط الاميركية على الانظمة لدمقرطتها، فالمعارضة المحليّة تضغط منذ عقود، أما تمويل وتعليم كوادر الاحزاب فهذا كثير.

الاوروبيون دائما كانوا أكثر تعقيدا وعمقا، سياسيا وثقافيا. واشك انهم يمكن ان يفكروا بعروض من هذا النوع، مع ان لديهم الكثير لنطلّ عليه ونتعلمه، لكن هذا جرى دائما ويجري وفق آليات معروفة في العلاقات الحزبية والسياسية. ثمّ ان التمويل الخارجي الحزبي ممنوع في كل مكان، فلم لا يقدم الاميركيون للدولة رسميا تمويلا مشروطا لدعم الانفتاح السياسي والعمل الحزبي؟ أم ان هذا لا يلبي الحاجة الذاتية لممارسة الاستشراق الديمقراطي على البدائيين؟!

[email protected]

التعليق