إبراهيم غرايبة

علي عبد الله صالح.. ومعالم الإصلاح

تم نشره في الأربعاء 20 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

    وصف الملك الحسين رحمه الله الرئيس اليمني على عبد الله صالح بأنه يتميز بقول ما لا يجرؤ أحد على قوله، والواقع أن حديثه بمناسبة مرور 27 سنة على توليه رئاسة اليمن لم تكن المرة الأولى التي يطرح فيها بعفوية قضايا بالغة الجرأة، فربما يكون الرئيس اليمني بعزمه على عدم ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية القادمة قد فتح بابا واسعا للإصلاح والتغيير في الوطن العربي.

    جاء الرئيس على عبد الله صالح إلى الحكم عام 1978 بعد مرحلة من النزاع الدامي والمرير، وحقق الاستقرار في اليمن، ثم كانت الوحدة اليمنية بين شطريه الشمالي والجنوبي عام 1990، وتجري في اليمن انتخابات نيابية منتظمة ربما لم تصل بالحياة السياسية إلى تداول السلطة والتنافس الحقيقي عليها، لكنها على أية حال خطوة متقدمة على الوضع السابق، فهل ستفتح استقالته الباب لتنافس حقيقي على السلطة، أم ستفتح المجال واسعا لابنه ليصل إلى الرئاسة؟ سيكون من الحكمة وإكمال المعروف ألا يترشح ابن الرئيس اليمني في الانتخابات القادمة على الأقل وأن يؤجل مشاركته في التنافس إلى الانتخابات التي تلي القادمة.

     الوطن العربي هو المنطقة الوحيدة من العالم التي استطاعت الانتصار على كل موجات الإصلاح والديمقراطية والانتخابات والتحديث التي هزت العالم وغيرته منذ أواخر الثمانينيات.

      فيستطيع الناس في مالي والسنغال وبوركينا فاسو أو في تشيلي وكوستاريكا أو الفلبين وإندونيسيا وبابوا غينيا حتى لو كانوا جائعين وعراة وأميين أن يغيروا رؤساءهم، وما زال العرب يفرض عليهم الحكام والوزراء والأمناء العامون والصحافيون والكتاب ومراسلو الصحف ووسائل الإعلام وأساتذة الجامعات ومهندسو الشركات وحراس العمارات ومانشيتات الصحف ونشرة الأخبار وبائعو البسطات وسياسات الاستيراد والتصدير والتسويق والإنتاج والثقافة والفن والفكر.

     وهذا ليس مبالغة ولا سخرية، ففي وطننا العربي في أغلبه لا تستطيع الحصول على بسطة لبيع الخضار إلا وفق اعتبارات سياسية وأمنية، ولا يستطيع المواطنون التنافس على الوظائف الصغيرة والكبيرة والرخص التجارية والعمل والعطاءات والعقود التجارية، ولا يجد المواطن في نشرات الأخبار المقروءة والمسموعة إلا ما يريد موظف ما أن يجده، والكاميرات والأقمار الصناعية التي تصل إلى كل مكان أو زاوية في العالم لم تصل إلا إلى ما يحب الإعلام أن يحدث، ولا شيء يحدث إن لم يعرض في وسائل الإعلام.

     ويبدو أن الإصلاح في الوطن العربي يحتاج لكي يتحقق بالفعل إلى مبادرة رسالية، أو حدث كوني، أو كارثة كبرى تؤسس لحياة جديدة، فقد تحول الاستبداد والفساد إلى منظومة شبكية عملاقة متمأسسة لا تفيد في مواجهتها انتخابات ولا حريات ولا ديمقراطية.

     فلا بد للإصلاح من حكام قديسين وزاهدين يمضون سنوات طويلة في ردع وتهذيب شبكة الأتباع والمؤيدين والمنتفعين والمزروعين في الأعماق البعيدة الغائرة كالبراغيث، وإعادة صياغة المدارس والجامعات والصحف والإذاعات لتكتشف العالم من جديد، وتأهيل أجهزة الإدارة والخدمة العامة والشركات الكبرى الخاصة الموكول إليها بيع الخدمات من الرأس إلى القدم لتعود إلى خدمة المواطن الذي ينفق عليها، وإطلاق حرية واسعة ومبادرات عملاقة لإعادة تنظيم الناس والمجتمعات والبلديات والمحافظات على أساس احتياجات الناس وأولوياتهم وحقوقهم الأساسية، وحث العقول والأفكار لتبدع من جديد بعد مرحلة طويلة متراكمة من الوصاية والقمع  والطمس والعداء للتفكير والحرية.

    وبغير ذلك فربما علينا أن ننتظر حدثا كونيا كبيرا أو كارثة عظيمة تذهب بكل شيء وتعيدنا إلى البداية لنتعلم ألف باء الحياة والحرية والتفكير والعدالة.

     هل يلمح الرئيس اليمني -في حديثه- إلى إصلاح سيفرض إن لم تبادر الدول والمجتمعات العربية إليه عندما قال: "لن أرشح نفسي لرئاسة الجمهورية في الانتخابات المقبلة، ونريد أن نؤسس للتداول السلمي للسلطة بأنفسنا وبرعايتنا من دون وصاية ولا مبايعة، فالناس ملّونا". ويؤكد تصريحا سابقا للملك عبد الله الثاني داعيا للإصلاح قبل أن يفرض علينا؟

التعليق